آراء
أخر الأخبار

الصيام.. حين تعانق طاعة الله نظام المجتمع

​وفي واقعنا الذي نعيشه يومياً، تظهر ثمار هذا النظام الإلهي في تلك التفاصيل الراقية التي نلمسها في شوارعنا وبيوتنا، حيث يحرص الناس على تبادل أطباق الطعام والابتسامات الصادقة قبل الآذان في مظهر يعكس كيف أن المجتمع قد اتفق ضمنياً على نشر السلم والمودة وترك الخلافات جانباً

عبدالله فضول 

​يطرح حلول شهر رمضان المبارك تساؤلاً جوهرياً حول تلك القوة الكامنة التي تجعل ملايين البشر يغيرون نمط حياتهم بشكل مفاجئ ومنضبط في آن واحد، فكيف يتحول الامتناع البيولوجي عن الطعام من مجرد حاجة جسدية إلى نظام اجتماعي شامل يفرض هيبته على الجميع، وهل يمكننا فهم هذا الانضباط الجماعي المذهل بوصفه ثمرة للالتقاء بين طاعة الخالق وبين قدرة العقل البشري على صياغة واقع مشترك يفيض بالسكينة؟.

إننا لو تأملنا بعمق في هذا الشهر الفضيل، لوجدنا أننا أمام مشهد إيماني مهيب يدعو إلى الفخر والاعتزاز، حيث يمتنع ملايين المسلمين عن الطعام والشراب في لحظة واحدة ويفطرون في لحظة واحدة استجابةً لأمر الله الخالق، وهو الأمر الذي يجعلنا نتفكر في كيفية تحول هذا الركن الإلهي إلى نظام عيش مشترك يصبغ حياتنا اليومية بصبغة السكينة والوقار، والسر الحقيقي في ذلك يكمن في أن الله سبحانه حين شرع لنا الصيام، قد منحنا معه العقل والقلب لكي نستقبل هذا الأمر ونحوله بوعينا المشترك إلى حقيقة اجتماعية ملموسة نعيشها جميعاً، فلحظة الغروب مثلاً ليست في حقيقتها سوى ظاهرة طبيعية تتكرر كل يوم، ولكننا بفضل إيماننا واتفاقنا الصادق على طاعة الله قد جعلنا من هذه اللحظة العادية موعداً مقدساً يجمع القلوب على مائدة واحدة، وهذا يعني أننا كبشر نملك القدرة على إعطاء الأشياء قيمة عظيمة حين نجتمع على هدف واحد ونحترم القواعد التي وضعها لنا الدين.

​وإن هذا الالتزام الجماعي المذهل هو الذي يعلمنا أن قوة الإيمان الحقيقي تتجلى في وحدة الصف وفي القدرة على تهذيب النفس والارتقاء بها فوق الحاجات المادية البسيطة، فالصيام في جوهره ليس مجرد حرمان من الأكل بل هو مدرسة يومية متكاملة تبني فينا خصلة الصبر وتعلمنا كيف نصنع من عاداتنا نظاماً محكماً يخدم المجتمع كله، ولعل أوضح مثال على ذلك هو نية الصيام التي يضمرها المسلم في قلبه، فهي ليست مجرد كلمات تقال، بل هي قوة داخلية عجيبة تغير واقع الإنسان تماماً وتجعل المجتمع بأسره يعترف بهذا الفعل ويحترمه، مما يحول الامتناع العادي عن الطعام إلى عبادة مقدرة يراعي فيها الجار مشاعر جاره ويتسابق فيها الناس لتقديم يد العون لبعضهم البعض، وهذا الانضباط هو الذي يمنح الإنسان القدرة على الامتناع عن شربة ماء باردة وهو في أوج عطشه وخلوته، لا لشيء إلا لأنه يحترم العهد الرباني الذي يربطه بكل المسلمين ويجعله يشعر بأنه جزء من بناء واحد لا يتجزأ.

​وفي واقعنا الذي نعيشه يومياً، تظهر ثمار هذا النظام الإلهي في تلك التفاصيل الراقية التي نلمسها في شوارعنا وبيوتنا، حيث يحرص الناس على تبادل أطباق الطعام والابتسامات الصادقة قبل الآذان في مظهر يعكس كيف أن المجتمع قد اتفق ضمنياً على نشر السلم والمودة وترك الخلافات جانباً، وهذا التناغم العجيب يثبت لنا بوضوح أن طاعة الله حين تسكن القلوب وتترجمها الأفعال، فإنها تصنع واقعاً تتحول فيه الغرائز البشرية إلى رحمة متبادلة ويتحول الضجيج المعتاد إلى وقار وطمأنينة تلف الصغير والكبير.

وفي الختام، يظل الصيام هو الدرس الأكبر الذي يثبت لنا أننا قادرون، حين نتحد على طاعة الخالق وبذات الروح الواحدة، أن ننظم حياتنا بأبهى صورة ممكنة، محولين مجتمعنا إلى جسد واحد ينبض بالرحمة والتكافل، فليتنا نستلهم من هذا النظام الإلهي ومن هذا الاتفاق الجميل نوراً يضيء لنا دروبنا طوال العام، لنبقى دائماً مجتمعاً يجمعه الود، ويزينه النظام، ويحرسه الإيمان الصادق.

https://anbaaexpress.ma/ygpqh

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى