من اللافت أن كتابًا يفتتح في كل سورة تقريبًا بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم” يُختزل أحيانًا في الوعي المعاصر في صورة دين تُستدعى منه نصوص القتال أكثر مما تُستدعى منه قيم الرحمة.
هذه المفارقة لا تكشف فقط عن سوء فهم عابر، بل تشير إلى أزمة أعمق تتعلق بطريقة ترتيب القيم داخل الخطاب الديني: ما الذي نجعله في المركز، وما الذي ندفع به إلى الهامش؟ هل الرحمة هي الأصل الذي تُفهم في ضوئه بقية المفاهيم، أم أن القوة هي العدسة التي نعيد من خلالها قراءة كل شيء؟
حين يعرّف القرآن الله بالرحمن الرحيم، فهو لا يقدم توصيفًا وجدانيًا فحسب، بل يؤسس لرؤية كونية تجعل الرحمة مبدأً حاكمًا للوجود والتشريع معًا. عبارة مثل ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ ليست مجرد تعبير بلاغي، بل إعلان عن شمول مبدأ يتجاوز الحدود الضيقة للجماعة أو الهوية. وكذلك قوله ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ يجعل من الرسالة نفسها فعل رحمة، لا مجرد منظومة أوامر ونواهٍ.
إذا كانت الرسالة في جوهرها رحمة، فإن كل تشريع ينبغي أن يُقرأ داخل هذا الأفق الكلي، لا خارجه. الرحمة هنا ليست قيمة تجميلية تُضاف إلى الدين، بل هي الإطار الذي يمنح بقية الأحكام معناها واتجاهها.
هذه الرحمة لا تبقى في مستوى الشعور الفردي، بل تتحول إلى سلوك اجتماعي منظم. الدعوة إلى العفو، والإصلاح بين الناس، وكظم الغيظ، والإحسان حتى في حال الخصومة، ليست توجيهات مثالية منفصلة عن الواقع، بل آليات عملية لخفض منسوب العنف داخل المجتمع.
فالمجتمع الذي يُشجَّع أفراده على ضبط انفعالاتهم وتقديم العفو على الانتقام هو مجتمع أقل عرضة لدورات الثأر المتكررة. الرحمة بهذا المعنى ليست ضعفًا ولا تنازلًا، بل هي وعي أخلاقي يمنع الانفجار، ويحوّل الطاقة البشرية من الهدم إلى البناء.
غير أن القرآن، في الوقت نفسه، لا يتجاهل واقع الصراع البشري. فهو يعترف بوجود العدوان، ويقرّ بضرورة الاستعداد لردّه. لكن القوة في هذا السياق ليست قيمة مستقلة بذاتها، بل وسيلة لحماية المجتمع وإقامة العدل.
إنها أداة تُضبط بمقاصد أخلاقية واضحة، وليست شعارًا يُرفع لإنتاج الخوف أو فرض الهيمنة. المشكلة تبدأ حين تُفصل القوة عن مقصدها، وحين تتحول من وسيلة لحماية الحياة إلى قيمة عليا تُقاس بها التدين والالتزام.
في بعض الخطابات الدينية المعاصرة، يُلاحظ تركيز مكثف على نصوص القتال، سواء كانت آيات أو أحاديث، مع إهمال السياقات التاريخية والفقهية التي وُلدت فيها.
يتم اقتطاع النص من ظرفه، وتقديمه كقاعدة عامة عابرة للزمان والمكان. وهكذا تُبنى صورة ذهنية للعالم بوصفه ساحة مواجهة دائمة، ويُختزل التدين في الصلابة والاستعداد للصدام. في هذا المناخ المشحون، تُقدَّم القوة باعتبارها الهوية الأساسية للمؤمن، بينما تُدفع نصوص الرحمة إلى الخلفية أو تُفسَّر على أنها استثناءات ظرفية.
لكن القراءة المتوازنة للنصوص تكشف أن أحاديث القتال، مثل الآيات التي تناولت الموضوع، كانت مرتبطة بظروف محددة، ومقيدة بضوابط أخلاقية صارمة. لم تكن دعوة مفتوحة للعنف، بل معالجة لواقع تاريخي معيّن.
تجاهل هذه القيود وتحويل الاستثناء إلى قاعدة هو ما يصنع خطابًا متوترًا يمجّد الصدام بدل أن يضبطه. وحين يُعاد تشكيل الوعي الديني على هذا الأساس، يصبح العنف قابلًا للتبرير، بل قابلًا للتجميل أحيانًا.
خطاب العنف يملك جاذبية خاصة، لأنه بسيط وحاسم، ويمنح شعورًا بالقوة في عالم مليء بالاضطراب. إنه يقدم إجابات سريعة على أسئلة معقدة، ويخلق هوية صلبة في مواجهة واقع متغير. غير أن هذه البساطة تخفي هشاشة عميقة، لأنها تختزل العالم في ثنائيات حادة، وتلغي مساحات التعايش، وتحوّل الاختلاف إلى تهديد وجودي.
في المقابل، خطاب الرحمة أكثر تعقيدًا وأقل إثارة، لأنه يتطلب ضبط النفس، والقدرة على التمييز، وتحمل التعدد. لكنه، على المدى الطويل، هو الذي يضمن استقرار المجتمعات ويمنع انزلاقها إلى دوامات لا تنتهي من العنف المتبادل.
ليست المشكلة في وجود نصوص تتحدث عن القتال، فالتاريخ الإنساني كله يعرف الحروب والصراعات، وكل نص ديني تعامل مع هذا الواقع. السؤال الحقيقي يتعلق بمركزية القيم: أيها نجعل الأصل الذي تُفهم في ضوئه بقية النصوص؟ هل نقرأ القوة في إطار الرحمة، أم نعيد تأويل الرحمة لتخدم منطق القوة؟ الفرق بين الخيارين ليس فرقًا نظريًا، بل هو فرق في شكل المجتمع الذي يتشكل على أساسهما.
حين تُستعاد الرحمة بوصفها القيمة المؤسسة، تصبح القوة خادمة لها، أداة لضبط الفوضى لا لإنتاجها، ووسيلة لحماية الإنسان لا لإلغائه. أما حين تُنتزع القوة من سياقها الأخلاقي، فإنها تتحول إلى معيار وحيد للحقيقة، ويصبح العنف مبررًا باسم الدفاع عن الدين. عند هذه النقطة، لا يعود الدين طاقة إصلاح، بل يتحول إلى وقود للصراع.
إن بناء مجتمع سليم ومتوازن لا يتحقق بإلغاء الحديث عن القوة، بل بإعادة إدراجها في إطارها الصحيح. الرحمة ليست نقيضًا للقوة، بل هي التي تمنحها معناها وحدودها.
والمجتمع الذي يُربّى أفراده على أن الرحمة قيمة عليا، سيكون أقدر على التعايش، وأقل قابلية للانجراف وراء خطابات التطرف. أما المجتمع الذي يُغذّى بخطاب يمجد العنف ويُبقي أفراده في حالة استنفار دائم، فإنه يعيش في توتر مستمر، حتى وإن ظن أنه يحمي نفسه.
في النهاية، المسألة ليست دفاعًا عن نصوص ولا إدانة لأشخاص، بل هي دعوة لإعادة التفكير في ترتيب الأولويات داخل الوعي الديني. فحين تكون الرحمة في المركز، ينفتح أفق السلم الاجتماعي والتآخي الإنساني، ويغدو الدين عنصر توازن في حياة الناس.
وحين تُزاح إلى الهامش، ويتقدم خطاب القوة المجردة إلى الواجهة، يصبح الفضاء العام مشحونًا بالخوف والارتياب. بين هذين المسارين يتحدد شكل المجتمع الذي نريده، وصورة الدين التي نختار أن نحملها في وعينا وسلوكنا.




