أصدرت المحكمة الفيدرالية العليا في ألمانيا، بتاريخ 24 فبراير 2026، حكماً نهائياً برفض الطعون التي تقدمت بها المملكة المغربية ضد مقالات نشرتها كل من Zeit Online وSüddeutsche Zeitung حول برنامج التجسس «بيغاسوس»، مؤكدة أن الدول الأجنبية لا تملك الحق في مقاضاة وسائل الإعلام الألمانية بدعاوى التشهير.
وتعود القضية إلى يوليوز 2021، حين نشرت المؤسستان الإعلاميتان تحقيقات استقصائية تناولت استخدام برنامج التجسس الذي طورته شركة NSO Group الإسرائيلية، مشيرة إلى شبهات حول توظيفه لمراقبة مسؤولين سياسيين ومحامين وصحفيين في عدة دول. وتضمنت التقارير ذكر الاستخبارات المغربية باعتبارها جهة يُشتبه في استهدافها شخصيات معينة، من بينها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
الرباط نفت حينها بشكل قاطع هذه الاتهامات، مؤكدة أنها ليست زبوناً لشركة NSO ولا تستخدم برنامج «بيغاسوس»، واعتبرت ما نُشر مساساً بسمعتها الدولية وكرامتها كدولة ذات سيادة. وعلى هذا الأساس، لجأت إلى القضاء الألماني مطالبة بحذف المضامين محل النزاع ووقف نشرها.
غير أن الدعوى رُفضت في المرحلة الابتدائية، ثم في الاستئناف أمام محكمة هامبورغ، قبل أن تُحسم بشكل نهائي أمام الغرفة المدنية السادسة في المحكمة الفيدرالية العليا، التي أيدت الأحكام السابقة.
وأوضحت المحكمة في حيثيات قرارها أن ما يُعرف في القانون الألماني بـ«الحق العام في الشخصية» يظل حقاً مقصوراً على الأفراد الطبيعيين، ولا يمكن للدول التمسك به. كما أكدت أن الدولة، بوصفها كياناً قانونياً عاماً، لا تتمتع بحق مدني مستقل لحماية سمعتها على النحو الذي يخوّل لها رفع دعاوى تشهير أمام المحاكم المدنية الألمانية.
كذلك استبعد القضاة إمكانية الاستناد إلى مقتضيات القانون الجنائي المتعلقة بجرائم الإهانة، معتبرين أنها لا تنطبق في هذه الحالة.
الصحيفتان المعنيتان رحبتا بالحكم، ووصفتاه بأنه محطة مفصلية لصالح حرية الصحافة والعمل الاستقصائي، معتبرتين أن القرار يعزز الإطار القانوني الذي يتيح للصحفيين التحقيق في قضايا ذات بعد دولي دون خشية من ملاحقات قضائية عابرة للحدود من قبل دول أجنبية.
في المقابل، عبّر المغرب، عبر فريق دفاعه، عن أسفه لقرار المحكمة، معتبراً أنه يحدّ من قدرة الدول الأجنبية على اللجوء إلى القضاء الألماني لحماية نفسها من معلومات تراها غير دقيقة أو مضللة، ويغلق أمامها سبيلاً قانونياً للدفاع عن صورتها أمام الرأي العام.
وينتظر أن يثير هذا الحكم نقاشاً أوسع في الأوساط القانونية والإعلامية الأوروبية بشأن حدود المسؤولية المدنية لوسائل الإعلام عند تناولها قضايا تتعلق بدول ذات سيادة، والتوازن بين حرية التعبير من جهة، وحق الجهات المتضررة في الدفاع عن سمعتها من جهة أخرى، في ظل تعقّد الملفات المرتبطة بالتجسس الرقمي والتقنيات السيبرانية العابرة للحدود.




