الشرق الأوسطحديث الساعة
أخر الأخبار

أرض الميعاد ومملكة إسرائيل القديمة: أسطورة يروج لها الصهاينة بعيدًا عن الحقيقة التاريخية

هذا النقاش يفند بشكل صريح الرواية الصهيونية التقليدية التي تبرر العودة التاريخية لليهود إلى فلسطين

كما يقال، المناسبة شرط ووجب التوضيح، وأنا أتصفح مثل العادة مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، يثيرني نقاش معمّق حول أرض الميعاد ومملكة إسرائيل القديمة، الذي عاد بقوة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب الأخيرة لإسرائيل على غزة.

يركز النقاش على الفارق الكبير بين الرواية الدينية التقليدية والتفسير التاريخي الواقعي. فالتقليد اليهودي والمسيحي يرى أن أرض الميعاد هي فلسطين التاريخية، وأن مملكة إسرائيل الموحدة كانت موجودة فيها مع عاصمتها أورشليم.

لكن الدراسات النقدية الحديثة والأدلة الأثرية تكشف عن واقع مختلف تمامًا:

لا توجد آثار موثوقة تثبت وجود مملكة إسرائيل الموحدة كما تصفها التوراة.

لا توجد مصادر رومانية أو يونانية معاصرة تشير إلى أن أورشليم كانت عاصمة سياسية في فلسطين.

وهذا يفند الأسطورة التي يروج لها الصهاينة بأنهم عاشوا في فلسطين وتم طردهم ثم عادوا إليها.

للإشارة، اسم فلسطين نفسه غير موجود في التوراة؛ النصوص تذكر أسماء مثل كنعان، يهوذا، والسامرة، وأغلب اليهود القدماء لم يكونوا على وعي دقيق بموقع أورشليم. وكانت فكرة الأرض الموعودة رمزية ودينية أكثر من كونها مكانًا محددًا.

بل أكثر من ذلك، هناك نظريات تقول إن أرض الميعاد ومملكة إسرائيل القديمة قد تكون في مناطق أخرى مثل جنوب الجزيرة العربية (اليمن)، استنادًا إلى دلائل لغوية وأثرية عن القبائل القديمة.

أما بالنسبة لسليمان وهيكله، فتصف التوراة سليمان بأنه ملك حكيم لبني إسرائيل وباني الهيكل الأول في أورشليم كمركز ديني لعبادة الله.

ومع ذلك، لا توجد أدلة أثرية أو تاريخية قاطعة تثبت وجود سليمان أو هيكله في فلسطين الحالية. كما أن النصوص التاريخية المعاصرة، سواء الرومانية أو اليونانية، لم تذكر الهيكل كمكان سياسي أو ديني بارز.

هذا يوضح أن ما يُسوّق حول ملكية سليمان وملكية الهيكل يستند إلى رمزية دينية أكثر من كونه دليلًا تاريخيًا. ويعزز هذا الفهم الفكرة الأساسية، وهي أن الروايات الدينية حول أرض الميعاد ومملكة إسرائيل القديمة ليست إثباتًا على ملكية تاريخية لفلسطين، بل تم استغلالها لاحقًا لأغراض سياسية.

للإشارة، هذا النقاش يفند بشكل صريح الرواية الصهيونية التقليدية التي تبرر العودة التاريخية لليهود إلى فلسطين، ويؤكد أن الادعاءات التاريخية التي تُسوّق في الإعلام والسياسة غالبًا ليست مثبتة علميًا.

الأهم، أن الحوار ينوّر الرأي العام ويعزز الوعي النقدي، مميزًا بين الأسطورة والدليل التاريخي، ويجعل النقاش السياسي أكثر موضوعية بعيدًا عن الخرافات والتبريرات الأسطورية.

وجدير بالذكر، قبل أن يُستخدم اسم “فلسطين”، كانت المنطقة تُعرف بعدة أسماء:

– أرض كنعان: بين نهر الأردن وسواحل البحر المتوسط، مأهولة بالكنعانيين، شعوب سامية قديمة.

– أرض يهوذا والسامرة: بعد ظهور الممالك اليهودية المبكرة، مأهولة باليهود وبعض القبائل العربية.

– فلستيا أو بلاد الفلستيين: الساحل الجنوبي الغربي، مأهولة بالفلستيين المنفصلين عن اليهود والكنعانيين وفق المصادر الإغريقية والرومانية.

– بعد الاحتلال الروماني عام 135م، أُطلق اسم Syria Palaestina على كامل المنطقة لتقليل الهوية اليهودية، وهو الاسم الذي تطور لاحقًا إلى “فلسطين”.

بهذا، كانت المنطقة مأهولة بشعوب مختلفة، وأسماؤها تتغير بحسب السلطة الحاكمة والحقبة التاريخية، وليس كل سكانها يهودًا كما يُسوّق أحيانًا.

كما تجسد كنيسة القيامة في القدس أهمية فلسطين الدينية المستمرة عبر العصور، فهي أقدس المواقع المسيحية، وتقع داخل البلدة القديمة حيث يُعتقد أن يسوع المسيح صُلب ودُفن وقام منها، ما يجعلها مركزًا للتأمل الروحي للمسيحيين.

تعكس الكنيسة أيضًا تنوعًا طائفيًا وتاريخيًا، إذ يشارك الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن في مراسيمها، بينما تحتفظ عائلات مسلمة بمفاتيحها منذ العهد الصلاحي، ما يعكس التعايش بين الأديان عبر القرون.

كل هذا يبرز أن فلسطين ليست مجرد أرض جغرافية أو سياسية، بل رمز ديني وروحي مشترك، من التوراة إلى المسيحية، ويؤكد أن ما يُسوّق أحيانًا حول “أرض الميعاد” وحق اليهود التاريخي فيها هو أسطورة دينية أكثر من حقيقة تاريخية.

في النهاية، كل ما يُسوّق حول أرض الميعاد ومملكة إسرائيل القديمة يحتاج إلى تحقق نقدي وعلمي، حتى أن بعض اليهود أنفسهم يفندون هذه الروايات.

ومع ذلك، يتم الترويج لها باستمرار لإعطاء هذه المزاعم سندًا شرعيًا وسياسيًا، بعيدًا عن الحقيقة التاريخية.

https://anbaaexpress.ma/wvakk

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي خبير في الشأن المغاربي و الإفريقي، مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى