أفريقياسياسة
أخر الأخبار

من حرب الرمال إلى 1967.. حين توترت علاقة القاهرة بالجزائر

الجزائر ساهمت، بدرجات متفاوتة، في تعقيد العلاقات العربية وفي تعميق الخلافات السياسية داخل الصف نفسه.

إعادة استحضار تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول الدعم المصري للجزائر خلال حرب الرمال سنة 1963 أعادت النقاش إلى واحدة من أكثر مراحل التاريخ العربي حساسية، ليس فقط بسبب الصراع المغربي الجزائري آنذاك، بل أيضا بسبب ما تلا ذلك من توترات داخل المعسكر العربي نفسه بعد هزيمة 1967.

وإذا كان استدعاء الدعم المصري للجزائر يعكس لحظة تضامن عربي واضحة، فإن قراءة المسار اللاحق تكشف أن الجزائر بدورها ساهمت، بدرجات متفاوتة، في تعقيد العلاقات العربية وفي تعميق الخلافات السياسية داخل الصف نفسه.

ففي أعقاب حرب يونيو 1967، وجدت مصر نفسها في وضع عسكري وسياسي شديد الصعوبة، إذ كانت تخوض عملية إعادة بناء الجيش وتحاول احتواء آثار الهزيمة اقتصاديا ومعنويا.

في تلك المرحلة، كان ينتظر من الدول العربية التي رفعت شعار التضامن أن تترجم مواقفها إلى دعم عملي متوازن، لكن الواقع أظهر تبايناً كبيراً في المقاربات، وكانت الجزائر من الدول التي تبنت خطابا سياسيا مرتفع السقف تجاه القاهرة، خصوصا فيما يتعلق بقبول وقف إطلاق النار والمقاربات الدبلوماسية للصراع مع إسرائيل.

هذا الموقف، رغم أنه انسجم مع الخطاب الثوري الذي تبنته الجزائر بعد الاستقلال، ساهم في زيادة الضغط السياسي على مصر بدل تخفيفه.

فبدلا من بناء جبهة عربية موحدة تراعي تعقيدات الواقع العسكري، اتجه الخطاب الجزائري آنذاك إلى انتقاد الخيارات المصرية علنا، ما اعتبرته القاهرة خروجا عن منطق التضامن العملي.

وهنا تحديداً بدأت تتشكل رواية مصرية تعتبر أن الجزائر لم توازن بين الشعارات والدعم الفعلي.

كما أن محدودية المساهمة العسكرية الجزائرية مقارنة بحجم الخطاب السياسي زادت من هذا الإحساس. صحيح أن الجزائر أعلنت إرسال دعم عسكري ومادي، لكن تقديرات مصرية آنذاك رأت أن هذا الدعم لم يكن حاسما ميدانياً، خاصة إذا قورن بما تحملته القاهرة من كلفة بشرية واقتصادية في المواجهة المباشرة مع إسرائيل.

هذا التفاوت بين الخطاب والممارسة جعل بعض القيادات المصرية ترى أن الجزائر تتحمل جزءاً من مسؤولية إضعاف الموقف العربي المشترك.

إضافة إلى ذلك، لعبت الاصطفافات الإقليمية دورا في تعقيد العلاقة. ففي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، ظهرت خلافات داخل النظام العربي بين تيارات مختلفة حول إدارة الصراع مع إسرائيل والعلاقات الدولية، وكانت الجزائر تميل أحيانا إلى مواقف سياسية لا تتطابق مع الرؤية المصرية، خصوصاً في ظل علاقاتها مع أطراف عربية أخرى كانت على خلاف مع القاهرة.

هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف وجهات نظر، بل ساهم في تعميق الانقسام داخل المعسكر العربي في لحظة كانت تتطلب أكبر قدر من التنسيق.

من زاوية أوسع، يمكن القول إن الجزائر، بحكم تبنيها خطابا ثوريا قوياً بعد الاستقلال، واجهت صعوبة في الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، وهو ما انعكس على سياستها الخارجية.

فالتمسك بخطاب تصعيدي دون مراعاة التوازنات الإقليمية جعل بعض مواقفها تبدو أقرب إلى المزايدة السياسية منها إلى بناء تحالفات عملية مستقرة. وهذا بدوره ساهم في توترات مع دول عربية عدة، وليس مع مصر فقط.

ومع ذلك، من المهم الإقرار بأن هذه المرحلة كانت معقدة لجميع الأطراف، وأن مصر نفسها اتخذت قرارات فرضتها ظروف عسكرية واقتصادية صعبة.

لكن تحميل الجزائر جزءا من المسؤولية يبقى واردافي التحليل السياسي، لأن خطابها المرتفع السقف وانتقاداتها العلنية للخيارات المصرية لم تساعد على بناء جبهة عربية متماسكة بعد الهزيمة، بل زادت من حدة الانقسامات في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى التنسيق بدل التنافر.

اليوم، ومع عودة هذه الملفات إلى الواجهة عبر تصريحات سياسية أو نقاشات إعلامية، تبدو الحاجة ملحة لقراءة تاريخية متوازنة لا تكتفي باستدعاء لحظات التضامن، بل تعترف أيضاً بمسؤوليات جميع الأطراف في تعقيد المشهد العربي.

فالتاريخ لا يبنى على سردية واحدة، بل على تفاعل مصالح وخيارات سياسية متشابكة، والاعتراف بذلك يظل شرطا لفهم الماضي وتجنب إعادة إنتاج أخطائه.

https://anbaaexpress.ma/15wwp

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى