عاد اسم المفكر السوري الراحل محمد شحرور إلى واجهة النقاش الفكري والديني، في لحظة عربية يتجدد فيها الجدل حول فهم الدين، وسلطة التراث، ودور العقل في قراءة النص القرآني.
محمد شحرور، وهو مهندس مدني ومفكر سوري، لم يأتِ من المؤسسة الدينية التقليدية، بل قدّم ما سمّاه «قراءة معاصرة» للقرآن الكريم، معتمدًا على أدوات اللسانيات الحديثة والمنطق الرياضي، وساعيًا إلى فصل النص القرآني عن التفسير الفقهي التراثي، الذي اعتبره اجتهادًا بشريًا خاضعًا للزمان والمكان.
ما يميّز شحرور عن كثير من المفكرين المعاصرين، أنه لم يكتفِ بطرح تأويلات أو آراء نقدية، بل اشتغل على وضع مناهج لفهم القرآن، في خطوة يمكن مقارنتها، من حيث التأسيس المنهجي، بما قام به الإمام الشافعي حين وضع أصول الفقه، وهو ما جعله مختلفًا عن باقي الفقهاء والعلماء الذين اكتفوا غالبًا بالشرح أو التعليق داخل الإطار التراثي نفسه.
ومن خلال مشروعه الفكري، دعا شحرور إلى إعادة الاعتبار للعقل في فهم الدين، معتبرًا أن القرآن نص مفتوح للفهم المتجدد، وليس حكرًا على قراءة واحدة.
وميّز بين النص الإلهي الثابت والاجتهاد البشري المتغير، كما طرح نظرية الحدود التي ترى أن الأحكام القرآنية تحدد إطارًا عامًا مرنًا يتيح تطور التشريع وفق تحولات المجتمع.
كتابُه الأشهر «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» شكّل لحظة فارقة في النقاش الديني المعاصر، وأثار جدلًا واسعًا بين مؤيدين رأوا فيه محاولة جريئة لتحرير الفكر الديني من الجمود، ومعارضين اعتبروا أطروحاته خروجًا عن المألوف الفقهي.
ومن أبرز أطروحاته كذلك الفصل بين الدين والتراث، حيث اعتبر أن كثيرًا من الأحكام المتداولة ليست من صلب النص القرآني، بل نتاج سياقات تاريخية وسياسية محددة.
كما ميّز بين السنّة الرسولية الملزمة والسنّة النبوية المرتبطة بالواقع التاريخي، وهو ما جعله في صدام مباشر مع التيارات السلفية والمحافظة.
إن عودة النقاش حول فكر محمد شحرور اليوم لا تتعلق بشخصه فقط، بل تعكس أزمة الفهم الديني في العالم العربي، وحاجة ملحّة إلى تجديد أدوات قراءة النص، بعيدًا عن القطيعة مع الدين أو الارتهان المطلق للتراث.
وجدير بالذكر أن عودة هذا النقاش، سواء عبر المنصات الرقمية أو القنوات الفضائية، لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها نقاشًا صحيًا يعكس بداية صحوة فكرية جديدة داخل العالم العربي، صحوة تسعى إلى القطع مع قراءات دينية مختلطة ومشوَّهة، استُخدمت لسنوات لخدمة تيارات جماعية وإيديولوجية ضيّقة.
نحن اليوم في زمن الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي المتسارع، حيث لم يعد من الممكن الاستمرار في تعطيل العقل أو مصادرة حقه في السؤال والتفكير.
وما نشهده من تفاعلات واختلافات حادة حول أفكار شحرور وأمثاله، هو مؤشر على أن العقل العربي بدأ يستعيد دوره النقدي، ويدخل مرحلة جديدة من إعادة بناء فهمه للدين والمعرفة، بعيدًا عن الوصاية والجمود.
وإذا كان الاختلاف سنة كونية، فإن الأهم هو أن هذا الاختلاف عاد ليُدار داخل فضاء التفكير والحوار، لا داخل منطق التكفير والإقصاء، وهو ما يبشّر بتحولات فكرية أعمق ستزداد وضوحًا مع تحولات العصر.
وسواء اتُّفق مع شحرور أو اختُلِف معه، فإن فكره يظل حاضرًا بقوة في كل نقاش جاد حول سؤال مركزي: كيف نفهم القرآن في زمن العقل؟




