لم يكن عبد الهادي بالخياط مجرد مطرب مر في تاريخ الأغنية المغربية وترك خلفه ألحانا ناجحة، بل كان حالة وجدانية كاملة، صوتا يتجاوز الزمن، ويقيم في منطقة نادرة بين الشجن والوقار، بين الفن كمتعة والفن كرسالة.
الحديث عنه اليوم ليس استعادة نوستالجية لمرحلة جميلة فحسب، بل هو استحضار لزمن كان فيه الصوت قيمة أخلاقية، وكانت الأغنية موقفا وجدانيا من الحياة، لا مجرد منتج استهلاكي عابر أو مؤقت.
ظهر عبد الهادي بالخياط في لحظة كانت فيها الأغنية المغربية تبحث عن توازنها بين الأصالة والتجديد، بين المقام الشرقي والروح المحلية، فجاء صوته كحل غير معلن لهذا القلق الفني.
كان صوته عميقًا، دافا مشبعا بما يشبه الحكمة الفطرية، لا يستعجل الأذن ولا يغازلها، بل يفرض حضوره بهدوء، كما يفعل الكبار دائمًا.
حين تسمعه في “القمر الأحمر” تشعر أن الأغنية لا تغنى بل تحكى، وحين يصدح بـ“ ياذاك الإنسان ” أو “ في قلبي جرح قديم ” تدرك أن الألم يمكن أن يكون جميلا وأن الحزن ليس ضعفا بل شكلا من أشكال الصدق.
ما ميز بالخياط أنه لم يكن أسير أغنية واحدة رغم شهرتها، بل بنى رصيدًا غنائيًا متماسكا يتقاطع فيه العاطفي بالروحي، واليومي بالوجودي.
في “الله عليها قصارة” يلتقط نبض الفرح الشعبي دون ابتذال، وفي “ قلبي جرح قديم ” يغوص في الذات الإنسانية بعمق صوفي غير مصرح به. كان صوته يعرف متى يعلو ومتى ينكسر، ومتى يترك مساحة للصمت، وكأن الصمت عنده جزء من الموسيقى لا فراغ بينها.
لكن اللحظة الأكثر إثارة للتأمل في مسار عبد الهادي بالخياط لم تكن في أوج شهرته، بل في قراره الاعتزال. اعتزال جاء صامتا دون ضجيج إعلامي أو بيانات تبريرية، وكأنه امتداد طبيعي لشخصيته الفنية.
انسحب من الأضواء كما دخلها.. بهدوء. وفي زمن صار فيه الاعتزال تكتيكا للعودة أو وسيلة لإعادة تسويق الاسم، بدا اعتزال بالخياط فعل أخلاقيا موقفا وجوديا يذكّر بأن الفن ليس سجنا أبديا، وأن للفنان الحق في أن يختار صمته حين يشعر أن القول اكتمل.
الأكثر رمزية في هذا المسار أن عبد الهادي بالخياط، بعد أن أسكت صوته الغنائي، لم يصمت تماما. أحيانا كان يؤذن. ذلك التفصيل الصغير، العميق، يكاد يكون مفتاح فهم الرجل كله. كأن الصوت الذي تغنى بالحب والجرح والفرح، عاد إلى منبعه الأول، إلى النداء الأعلى، إلى مساحة الروح الخالصة.
الأذان بصوته لم يكن خروجا عن الفن، بل عودة إلى جوهره. فالفن، في أصفى تجلياته، ليس إلا بحثا عن معنى، والأذان هو أكثر الأصوات التصاقا بالمعنى.
خلود عبد الهادي بالخياط في الذاكرة الغنائية المغربية لا يعود فقط إلى جمال صوته أو نجاح أغانيه، بل إلى صدقه. لم يكن نجما مصنوعا، ولا صوتا مُستهلكا، بل تجربة إنسانية كاملة، يمكن لجيل لم يعش زمنه أن يتفاعل معها دون حواجز. وهذا هو الاختبار الحقيقي للخلود.. أن تعبر الزمن دون أن تفقد قدرتك على التأثير.
اليوم، ونحن نعيش زمن الضجيج الغنائي، حيث تختلط الأصوات وتتشابه الوجوه، يبدو عبد الهادي بالخياط كمرجع أخلاقي وجمالي في آن واحد.
يذكرنا بأن الأغنية ليست بالضرورة صاخبة لتكون قوية، ولا قصيرة لتكون مؤثرة، وأن الصوت حين يكون صادقا لا يحتاج إلى كثير من الزينة. ترك لنا بالخياط أغاني لا تسمع فقط، بل تستعاد، تعاش، وتُورَّث من ذاكرة إلى أخرى، كما تورّث الحكايات الجميلة.
رحل عبد الهادي بالخياط جسديا، لكن صوته لم يرحل. ما زال يسكن الإذاعات القديمة، وذاكرة البيوت ، وحنين الطرقات الطويلة.
ما زال يؤكد، كلما استمعنا إليه، أن بعض الأصوات لا تموت، لأنها ببساطة لم تكن يوما عابرة.




