تتجه الأنظار إلى مسار العلاقات الجزائرية-الأمريكية في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال تصاعد التوتر بين الطرفين، بعدما ألمحت واشنطن إلى إمكانية فرض عقوبات على الجزائر إذا ثبت مضيها في صفقات عسكرية جديدة مع روسيا، خصوصًا ما يتعلق باقتناء مقاتلات متطورة.
هذه الإشارات برزت خلال جلسة استماع عقدتها لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، خُصصت لمناقشة قضايا مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا، حيث تطرّق مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية إلى التقارير المتداولة حول التعاون العسكري الجزائري-الروسي.
وخلال الجلسة، أقرّ مسؤول بارز في مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية بأن واشنطن تتابع بجدية ما يُنشر بشأن تعاقدات جزائرية محتملة للحصول على طائرات قتالية روسية.
ووصف هذه المعلومات بأنها مثيرة للقلق، مؤكدًا أن الإدارة الأمريكية ملتزمة بتطبيق قانون «مكافحة أعداء أمريكا عبر العقوبات» المعروف اختصارًا بـCAATSA، وهو التشريع الذي تستخدمه الولايات المتحدة للضغط على الدول المتعاونة عسكريًا مع موسكو.
ورغم أن المسؤول الأمريكي لم يعلن عن إجراءات فورية، فإنه أوضح أن مثل هذه الصفقات الدفاعية قد تندرج ضمن الحالات التي يمكن أن تستدعي فرض عقوبات مستقبلًا، مشيرًا إلى أن الملف لا يزال في طور التقييم والمتابعة.
كما أكد استمرار التواصل بين واشنطن والجزائر في ملفات مشتركة، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، مع الاعتراف بوجود تباينات ملحوظة في ملفات أخرى، على رأسها التعاون العسكري مع روسيا.
في المقابل، لم تصدر الجزائر أو موسكو تأكيدات رسمية حاسمة بشأن بعض الصفقات التي تحدثت عنها تقارير إعلامية خلال الأشهر الماضية، ومنها تقارير أشارت إلى أن الجزائر قد تكون أول زبون أجنبي لمقاتلات «سو-57» الروسية من الجيل الخامس، مع حديث عن برامج تدريب للطيارين الجزائريين في روسيا استعدادًا لاستلام هذه الطائرات.
كما تداولت تقارير أخرى صورًا قيل إنها لطائرات «سو-35» تحمل علامات جزائرية، في سياق ما يُعتقد أنه برنامج أوسع لتحديث الأسطول الجوي الجزائري.
وينظر إلى هذا التوجه الجزائري في سياق تاريخي أوسع، إذ حافظت الجزائر منذ عقود على علاقات عسكرية وثيقة مع موسكو، اعتمدت خلالها بشكل كبير على التسليح الروسي في بناء قدراتها الدفاعية.
ويأتي استمرار هذا التعاون في وقت تشهد فيه البيئة الدولية توترًا متزايدًا بين روسيا والغرب، ما يجعل أي صفقات عسكرية مع موسكو ذات حساسية سياسية أكبر من السابق.
تحليليا، تعكس هذه التطورات معادلة معقدة بالنسبة للجزائر. فمن جهة، تسعى إلى تحديث قدراتها العسكرية وتعزيز استقلال قرارها الدفاعي، مستفيدة من شراكة تقليدية مع روسيا توفر لها تنوعًا في مصادر التسليح.
ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام ضغوط أمريكية متصاعدة، خاصة في ظل توجه واشنطن لاستخدام أدوات اقتصادية وقانونية للحد من النفوذ العسكري الروسي عالميا.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الملف من زاويتين أساسيتين، الأولى مرتبطة برغبتها في تقليص انتشار السلاح الروسي عالميًا، والثانية تتعلق بالحفاظ على نفوذها السياسي والأمني في شمال إفريقيا، وهي منطقة تزداد أهميتها الاستراتيجية بفعل تحديات الإرهاب والهجرة والطاقة.
وبين هذين الاعتبارين، يبدو أن العلاقات الجزائرية الأمريكية مرشحة لمرحلة دقيقة تتسم بالحذر المتبادل. فواشنطن تحرص على إبقاء قنوات التعاون مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته تبعث برسائل ردع واضحة، بينما تسعى الجزائر إلى الحفاظ على توازن علاقاتها الدولية دون التفريط في خياراتها الدفاعية.
ولا تزال مسألة العقوبات المحتملة في نطاق الاحتمال السياسي أكثر منها قرارًا محسومًا، غير أن استمرار الحديث عن صفقات تسلح روسية متقدمة قد يدفع الملف إلى الواجهة مجددًا، ويجعل شمال إفريقيا ساحة إضافية لتجليات التنافس الدولي بين القوى الكبرى.




