منير لكماني – ألمانيا
«واعجبا لنفس الموت موئلها، والقبر منزلها»
في آخر ما تركه صوته بيننا لم يودعنا بلحن من لذة الدنيا، بل بنداء يوقظها. كأن الرجل اختار أن يجعل خاتمته في صميم المعنى لا في زينة الذكرى: تذكير صريح بأن المآل واحد، وأن المسافة بين النفس وقبرها أقصر مما تزينه المواعيد. واليوم اكتمل المشهد الذي كان ينشده: رحل عبد الهادي بلخياط يوم الجمعة 30 يناير 2026 عن عمر ناهز 86 سنة.
«يبيت الليالي في فكر الدنيا ويسهرها»
كان في زمن مضى من أصوات المغرب التي لا تمر خفيفة على الأذن، بل تستقر في الوجدان. غير أن ما يطول في السمع قد يقصر في الميزان، وما يلمع في العيون قد يخفت عند أول سؤال: ماذا بقي للقلب؟ لذلك يبدو هذا المقطع وهو يتلى بصوته كاعتراف نبيل: ليس الفن خصما للإيمان، ولكن الغفلة خصم للإنسان. وحين يضيق العمر يكتشف المرء أن أجمل ما في الموهبة أنها قد تصير نورا يهدي، وأن أسوأ ما فيها أن تصير ستارا يحجب.
«كم قاطع زمانه التسويف.. يتمنى العود إذا رأت نفسه ما يذهلها»
التحول الذي عرفه في سنواته الأخيرة لم يكن انتقال مهنة، بل انقلاب وجهة. إنه درس يكتبه القلب حين يفهم أن التسويف ليس تأجيلا فحسب، بل إغلاق لفرصة التدارك. لذلك كانت كلماته الأخيرة أقرب إلى محاسبة رقيقة لا إلى سيرة مباهاة: من يرى نفسه على سعة من الوقت ينام في حضن الوهم، ومن يفيق على حقيقة النهاية يطلب النجاة ولو بكلمة. وما تداولته المقاطع عنه وهو ينشد هذا النص يوحي بأن الرجل كان يعلم أين يريد أن يستقر: في مقام التوبة لا في مقام الحنين.
«ثم يسوء عملها.. ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها»
هذه ليست جملة للتهويل، بل ميزان للصدق. فحين جاءه الأجل لم يحمل معه إلا ما يليق بالإنسان: عمله، ونيته، ورجاؤه. وقد تواترت التغطيات أن وفاته كانت بالمستشفى العسكري بالرباط بعد صراع مع المرض.
هنا يتبدى الفرق بين شهرة تلمع ثم تخبو، وخشية تبقى وإن خفت الصوت. كأن العبارة تعيد ترتيب القلب: لا تغتر بما مضى، ولا تأمن مما بقي، واجعل لكل يوم توبته الصغيرة قبل أن تأتي التوبة الكبيرة التي لا وقت بعدها.
«لقد صاح بك الصائح.. يكفي ما مضى من قبائح، فاقبل اليوم هذه النصائح»
في هذا النداء شيء من رفق الناصح وشيء من حزم الحقيقة. ومن يتأمل اختياره أن يجعل هذا النص آخر ما ينشد يدرك أنه أراد أن يورث جمهوره خلاصة لا أغنية: أن تتغير وظيفة الصوت من طرب يملأ المجلس إلى ذكر يملأ القلب.
ليس كل وداع يحتاج خطابة، بعض الوداع يكفيه أن يقول للناس: لا تشمتوا بسقوط أحد، ولا تأمنوا طول الإمهال، وخافوا من أن يطول بكم الشرود حتى تداهمكم الصحوة متأخرة.
«آه لساعات شديدة الكربات»
ها هنا يتجرد الخبر من زخرفه: لحظة تترك فيها الأسباب أهلها، ويقف الإنسان وحيدا مع ما قدم. في تلك الساعة لا يطلب الراحل أن يمدح، بل أن يرحم. وقد ودعته الساحة المغربية بوصفه أحد أعمدة الأغنية، ثم ودعه محبوه بما هو أعظم: بالدعاء وبالاعتبار.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل آخر ما نطق به حجة له لا عليه، وبدل ضعفه قوة في رحمتك، واجعل لمن أحبه صبرا جميلا لا ييأس، وقلوبا إذا ذكرت الموت رقت، وإذا سمعت الموعظة انتفعت، وإذا فتحت لها أبواب الإنابة دخلت.




