أفادت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تقرير حديث بأن تنامي القدرات العسكرية للمغرب بات يثير اهتمامًا ومخاوف متزايدة داخل محيطه الإقليمي، رغم أن الجزائر ما تزال تتفوق من حيث حجم الإنفاق الدفاعي، في سياق سباق تسلح مستمر بين البلدين يشمل منطقة المغرب الكبير وامتداداته نحو جنوب أوروبا.
ووفق المصدر ذاته، فقد بلغت ميزانية الدفاع الجزائرية خلال سنة 2026 نحو 40 مليار يورو، مقابل ما يقارب 20 مليار يورو للمغرب، وهو ما يجعل البلدين معًا في صدارة الدول الإفريقية من حيث الإنفاق العسكري. غير أن التقرير يشير إلى أن تقييم القوة العسكرية لا يرتبط فقط بحجم الميزانية، بل أيضًا بطبيعة التسليح والتحديث التكنولوجي واستراتيجية الانتشار.
وتبرز المعطيات التي نقلتها الصحيفة أن المغرب والجزائر يعدّان من أكبر مستوردي السلاح في إفريقيا، إذ استحوذا خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024 على نسبة كبيرة من صفقات التسليح في شمال القارة، وفق أرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهو ما يعكس استمرار التوتر السياسي بين البلدين رغم غياب أي مواجهة عسكرية مباشرة.
وأشار التقرير إلى أن وتيرة اقتناء الأسلحة لم تتراجع، بل شهدت تسارعًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة. ففي الجزائر، شملت الصفقات تحديث أسطول الطيران الحربي باقتناء مقاتلات روسية متطورة، إلى جانب تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي.
وفي المقابل، اتجه المغرب إلى تنويع مصادر تسليحه، مع إدخال تجهيزات أمريكية وتركية متقدمة، تشمل راجمات صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة هجومية ومروحيات قتالية حديثة.
ونقلت “لوموند” عن خبراء في الشؤون الاستراتيجية أن البلدين لا يبدوان في وارد خوض حرب مباشرة، لكن وتيرة التسلح توحي باستعداد دائم لأسوأ السيناريوهات، خصوصًا في ظل استمرار الجمود الدبلوماسي وإغلاق الحدود البرية بينهما منذ سنوات طويلة.
كما يلفت التقرير إلى أن اختلاف موردي السلاح يعكس تباينًا في التوجهات الجيوسياسية، حيث تعتمد الجزائر بدرجة كبيرة على روسيا والصين، بينما يعزز المغرب شراكاته العسكرية مع الولايات المتحدة وأوروبا، مستفيدًا من موقعه كحليف رئيسي لواشنطن خارج حلف شمال الأطلسي.
ومن التحولات اللافتة التي توقفت عندها الصحيفة الفرنسية استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل منذ عام 2020، وهو تطور أضاف بُعدًا جديدًا لمعادلات القوة في المنطقة، عبر إدخال تقنيات عسكرية متقدمة تشمل أنظمة دفاع جوي وأقمارًا صناعية ومشاريع تصنيع محلي للطائرات المسيّرة، الأمر الذي تعتبره الجزائر عامل ضغط إضافي في التوازنات الإقليمية.
ومع ذلك، تؤكد “لوموند” أن هذه التطورات لا تعني بالضرورة انقلاب ميزان القوى بشكل حاسم لصالح الرباط، إذ ما تزال الجزائر تحتفظ بتفوق عددي ومالي واضح في مجال الدفاع، غير أن صعود القدرات التقنية للمغرب وسياساته الخارجية الأكثر دينامية يجعلان حضوره العسكري محط متابعة لدى عدد من العواصم الأوروبية، وليس الجزائر وحدها.
وفي المحصلة، يظهر سباق التسلح بين البلدين كأحد أبرز ملامح التوتر المستمر في منطقة المغرب الكبير، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الإقليمي مع الحسابات السياسية والاقتصادية، فيما يبقى غياب الحوار المباشر عاملاً يزيد من تعقيد المشهد ويغذي منطق الاستعداد العسكري بدل البحث عن تسويات سياسية طويلة الأمد.




