أفريقياسياسة
أخر الأخبار

تفاصيل المشروع المُحيَّن للحكم الذاتي بالصحراء المغربية: هندسة دستورية متكاملة تنتقل بالمبادرة إلى مرحلة جديدة

دستوريًا، يقترح النص عرض النظام على استفتاء وطني يشمل مجموع الناخبين المغاربة، مع إدراجه في الدستور ضمن باب خاص محصَّن ببند عدم المساس بالوحدة الترابية..

كشفت تقارير إعلامية متطابقة اطلعت عليها أنباء إكسبريس عن المضامين الكاملة لمشروع خطة الحكم الذاتي المُحيَّن الذي قدّمه وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة خلال لقاء مدريد الأخير، في خطوة تعكس انتقال المبادرة المغربية من إطارها السياسي العام لسنة 2007 إلى صيغة مؤسساتية وقانونية دقيقة ومفصلة.

ووفق المعطيات المتداولة، فإن النص الجديد يُعتمد كوثيقة نظامية متكاملة، أقرب إلى نظام أساسي مؤسَّس، يتضمن تعريفات معيارية، وأحكامًا انتقالية، وآليات تفسير ورقابة، ويُرسّخ توزيعًا دقيقًا للاختصاصات بين الدولة والجهة.

ففي حين تحتفظ الدولة باختصاصاتها الحصرية المرتبطة بالدفاع والأمن الاستراتيجي والسياسة الخارجية والعملة والجنسية ورموز السيادة والنظام القضائي الأعلى، يمنح المشروع الجهة صلاحيات واسعة في مجالات التنمية الاقتصادية، والتخطيط العمراني، والصحة، والتعليم، والبيئة، والصيد البحري، والسياحة، والبنيات التحتية.

كما ينص على أن كل اختصاص غير مُدرج ضمن صلاحيات الجهة يظل من اختصاص الدولة، مع تكريس مبدأ الولاء الدستوري، وإمكانية التدخل الاستثنائي لتعليق بعض الصلاحيات في حال المساس بالوحدة الترابية أو بالنظام الدستوري.

على المستوى التشريعي، يقترح المشروع إحداث برلمان جهوي أحادي الغرفة بشرعية مزدوجة تجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام النسبي وأعضاء يمثلون القبائل الصحراوية وفق معايير قانونية مؤطرة، مع اعتماد حصص إلزامية لتمثيلية النساء.

ويتمتع البرلمان الجهوي بسلطة إصدار التشريعات في مجالات اختصاصه، في وقت يظل فيه ممثلو الإقليم أعضاء في البرلمان الوطني، بما يضمن استمرار الاندماج المؤسساتي الكامل.

كما يُحدث مجلسًا اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا جهويًا يُلزم باستشارته في القضايا الميزانياتية والتنموية.

تنفيذيًا، ينص المشروع على تعيين رئيس حكومة جهوية وفق آلية مؤسساتية تضمن الانسجام الدستوري ووحدة الدولة، مع منحه صلاحيات تنظيمية وإدارية واسعة لتنفيذ السياسات العمومية داخل مجال الاختصاص، وإخضاعه للمساءلة السياسية من قبل البرلمان الجهوي.

ويعمل رئيس الحكومة الجهوية أيضًا كحلقة وصل مؤسساتية بين الجهة والدولة المركزية.

قضائيًا، يُحدث النظام محاكم جهوية ابتدائية واستئنافية لتطبيق القوانين المحلية باسم الملك، إضافة إلى هيئة عليا جهوية للنظر في النزاعات، مع إمكانية المراجعة الدستورية على المستوى الوطني.

كما يعتمد آلية مؤسساتية لحل تنازع الاختصاص عبر لجنة مشتركة قبل اللجوء إلى المحكمة الدستورية.

ماليًا واقتصاديًا، يقوم النظام على موارد ضريبية جهوية تشمل ضرائب ترابية وإتاوات عن استغلال الموارد الطبيعية، مع آليات للانضباط الميزانياتي والتنسيق الماكرو-اقتصادي، وإحداث صندوق تضامن وطني يخضع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.

كما يؤطر قانونيًا حماية الأراضي الجماعية والاستثمارات، ويخضع الاستثمارات الأجنبية لرقابة مزدوجة جهوية ووطنية حفاظًا على التوازنات الاستراتيجية.

وفي ما يخص المصالحة وآليات الانتقال، ينظم المشروع مشاركة القادمين من مخيمات تندوف وفق شروط انتخابية وأهلية واضحة، ويُنشئ لجنة دائمة للتحقق من الهويات واعتماد مساطر طعن دقيقة، إلى جانب برنامج لإعادة الإدماج ونزع السلاح وفق مقتضيات القانون الدولي.

دستوريًا، يقترح النص عرض النظام على استفتاء وطني يشمل مجموع الناخبين المغاربة، مع إدراجه في الدستور ضمن باب خاص محصَّن ببند عدم المساس بالوحدة الترابية، وإخضاع أي تعديل لاحق لمسطرة معززة تتطلب أغلبية خاصة في البرلمانين الجهوي والوطني، مع ربط تنزيله بمسار التنمية الترابية العادلة.

أما على مستوى الهوية والرموز، فيؤكد المشروع حصرية الرموز الوطنية للدولة، والاعتراف بالهوية الحسانية كمكوّن أصيل من التراث المغربي مع إحداث معهد جهوي خاص بها، كما يحصر الأمن الترابي في الشرطة الإدارية المحلية تحت إشراف الدولة، ويمنع أي دبلوماسية موازية خارج التنسيق الوطني، مع اعتماد جدول زمني مرحلي للتنفيذ.

ويُتوَّج النظام بآلية تقييم دورية كل خمس سنوات، مع تأكيد صريح على أن بند عدم قابلية التراجع الترابي لا يمكن تفسيره كحق في الانفصال، وإدماج الجهة في الاستراتيجية القارية والدولية للمملكة في إطار منسق.

وجدير بالذكر، المشروع المُحيَّن لا يقدّم مجرد تصور سياسي، بل يبني نموذجًا مؤسساتيًا متكاملاً يُفصّل بدقة أركان الحكم الذاتي تشريعًا وتنفيذًا وقضاءً وماليةً وهويةً وضمانات دستورية، في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية.

ختامًا:

كما سبق أن أشارت أنباء إكسبريس في العديد من المقالات، يُبرز مشروع الحكم الذاتي المحيَّن للصحراء المغربية تماسك الرؤية المغربية في تأطير وحدتها الترابية ضمن نموذج مؤسساتي متكامل، مستلهماً من مبادئ الجهوية المتقدمة والموسعة التي سبق أن نُزِّلت عمليًا على مستوى الجهات المغربية الأخرى، حيث أثبتت قدرتها على تعزيز التنمية المحلية والتمثيل الديمقراطي وإرساء حكم ديمقراطي موسع ضمن إطار الوحدة الوطنية.

وبهذا، يقدّم المغرب نموذجًا واضحًا للحكم الذاتي، يجمع بين الاستقلالية المحلية والارتباط العضوي بالدولة، مؤكدًا التزامه بسيادة المملكة وشرعية مؤسساتها الوطنية.

https://anbaaexpress.ma/aia0g

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى