كما يقال في المثل المغربي: عِش نهار تسمع خبار. بعد التبجح الرئاسي والإعلامي الجزائري بمشروع “غار جبيلات”، الذي روّجت له وسائل إعلام النظام باعتباره “مشروع القرن” لتصدير الحديد، تبيّن لاحقًا أن المزاعم الرسمية بشأنه لم تتجاوز إطار الخطاب السياسي.
وأكثر من هذا تبين أن هذا المشروع لم يكن مجرد خطة اقتصادية بقدر ما كان أداة لفرض رواية معينة في الملف الترابي المغاربي، مع تأثير محدود على المستوى الدولي.
اليوم يتكرر السيناريو نفسه، حيث أعاد عبد المجيد تبون الترويج لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) خلال استقباله رئيس المجلس العسكري في النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، معلنًا انطلاق الإجراءات العملية بعد شهر رمضان.
المشروع، الذي تعود فكرته إلى سبعينيات القرن الماضي وأُعيد طرحه سنة 2009، يهدف إلى نقل الغاز من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، ثم إلى أوروبا عبر شبكة الأنابيب الجزائرية، خاصة خط ترانسميد، أو عبر تسييله وشحنه بحرًا. ويبلغ طوله نحو 4000 كلم ويمر عبر ثلاث دول.
غير أن هذا المشروع ظل مجمّدًا لعقود بسبب:
– هشاشة الوضع الأمني في منطقة الساحل.
– صعوبة توفير التمويل اللازم.
– تقلبات المشهد السياسي في النيجر ومحيطها الإقليمي.
ورغم هذه التعقيدات، يُعاد تسويقه اليوم باعتباره مشروعًا جاهزًا للتنفيذ، في وقت لم تُحسم فيه الإشكالات البنيوية التي عطّلته سابقًا.
في المقابل، يتقدم مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب بين نيجيريا والمغرب كمبادرة إقليمية أوسع، تمتد لنحو 5600 كلم عبر 13 دولة بغرب إفريقيا، بمسار بحري وبري، وهدفه تزويد دول المنطقة بالغاز قبل التصدير إلى أوروبا، في إطار مقاربة تشاركية مدعومة إقليميًا.
وجدير بالذكر أن المشروع الجزائري أقصر مسارًا نحو أوروبا، لكنه يواجه تحديات أمنية وتمويلية عميقة تجعل تنفيذه معقدًا.
أما المشروع المغربي فيقوم على منطق التكامل الإقليمي والتنمية المشتركة.
ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة أي طرف على تحويل الوعود إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، بعيدًا عن منطق التسويق السياسي.
وللإشارة، يبرز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي بين نيجيريا والمغرب كمبادرة استراتيجية تعكس رؤية مغربية قائمة على التكامل الإقليمي والشراكة متعددة الأطراف، بما يعزز تموقع المملكة كفاعل قاري مسؤول.
فهذا المشروع الممتد على آلاف الكيلومترات لا يستهدف فقط تأمين الطاقة لدول غرب إفريقيا، بل يندرج ضمن تصور أشمل لربط الساحل بالفضاء الأطلسي عبر ممرات آمنة ومستقرة.
وفي الوقت الذي يُعاد فيه تسويق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء – المجمد منذ عقود بسبب تعقيدات أمنية وتمويلية – باعتباره إنجازًا وشيكًا، يتم الترويج لفكرة نقل مليارات الأمتار المكعبة من الغاز من نيجيريا إلى الجزائر عبر النيجر، ثم إلى أوروبا عبر خط ترانسميد أو عبر تسييله وشحنه بحرًا.
غير أن واقع التحديات الميدانية والمالية يطرح تساؤلات جدية حول قابلية التنفيذ السريع، ما يجعل المقاربة المغربية القائمة على التدرج، والوضوح، وبناء الثقة مع الشركاء، أكثر اتساقًا مع منطق الاستدامة والنجاعة الاستراتيجية.




