عبدالله فضّول
حين يحل الصيام، لا نجد أنفسنا أمام مجرد طقس تعبدي عابر يمر على الهامش، بل نُصبح أمام مشهد حضاري مهيب يعيد صياغة الوجود الإنساني برمته، حيث تتحول بنية المجتمع في هذا الشهر إلى منظومة مضبوطة بدقة متناهية، تذوب فيها الرغبات الفردية العفوية في بوتقة (قانون جماعي) واحد يسري على الجميع في اللحظة ذاتها.
وهذا النظام الفريد لا يحتاج في جوهره إلى سلطة زجرية خارجية أو رقابة شرطية تلاحق الناس في خلواتهم، إذ يكفي أن نتأمل حال العامل الكادح تحت هجير الشمس، أو المسافر الذي يقطع الفيافي والقفار، لنرى كيف يمتنعون عن شربة ماء باردة وهم في أوج عطشهم، لا لشيء إلا استجابةً لـ (رقيب باطني) غُرس في أعماقهم غرساً.
وبناءً على ذلك، فالصيام يغرس في نفس كل فرد نظاماً يحوله إلى حارس يقظ على نفسه، مدفوعاً بقوة الانتماء إلى (خطاب مشترك) يوحد القلوب والأبدان في آن واحد.
وعندما نضع القوانين التي تشرعها الدول في كفة، وهذا النظام في كفة أخرى، ينكشف لنا فرق جوهري في آليات السيطرة؛ إذ تظل القوانين الوضعية، مهما بلغت صرامتها، سلطة (خارجية) ترتهن بوجود الرقيب المادي، كالسائق الذي يلتزم بالسرعة القانونية عند رؤية (الرادار) فقط، فإذا ما توارى عن الأنظار عاد للتجاوز، لأن التزامه ارتبط بظلال الخوف من الغرامة لا بجوهر القناعة.
أما في تجربة الصيام، فإن المشهد يتخذ بعداً أعمق، حيث نجد الفرد الذي يغلق عليه باب بيته بمفرده، وتتوفر لديه ألوان المغريات، يظل متمسكاً بعهده، لأن السلطة هنا قد ارتحلت من ضجيج الشارع إلى سكون الضمير، فأصبح الإنسان هو من يضع القيد على نفسه وهو من يحرسها، مما يجعل هذا النظام أكثر إحكاماً من أي تشريع بشري جاف، لكون الصائم لا يبحث عن (ثغرة) ينفذ منها، بل يستشعر حضور الرقيب حتى في أشد لحظات الخلوة.
إن هذا (الضبط) الذاتي يبرهن بوضوح على قدرة القيم المتعالية على قيادة المادة وتطويع الغرائز البشرية، وهو ما نلمسه بوضوح في إيقاع المدن الكبرى كـ (الدار البيضاء)، حيث تفرغ الشوارع المزدحمة فجأة عند اقتراب الغروب، ويتوقف ضجيج المحركات، ليجتمع الناس حول مائدة واحدة في توقيت لا يتأخر ثانية واحدة، في مظهر يتجلى فيه أسمى أشكال (تنظيم الجسد) حيث تتحول الملايين إلى كائن واحد يتحرك بإشارة غيبية.
وفي الوقت الذي يبدو فيه الجسد خاضعاً لهذا النظام الصارم، نجد الروح قد تحررت من أسر العادة المكررة، واكتسبت قدرة فريدة على التأمل، لا سيما في تلك اللحظات الساكنة التي يختلي فيها الإنسان بنفسه في رحاب الأماكن الهادئة كـ (واد لاو)، حيث يتمازج صمت الصيام بجمال الطبيعة الفطري، ليخلق حالة من السكينة الوجودية.
وعلاوة على ذلك كله، يتجاوز الصيام كونه مجرد (نظام للضبط) ليغدو ممارسة إنسانية تفيض بالرحمة والتراحم؛ فعندما يستشعر الغني مرارة الجوع التي يكتوي بها الفقير، يتحول هذا (المنع) الإرادي إلى (فعل اجتماعي) نبيل يتجسد في موائد الإفطار والصدقات، لتكتمل بذلك سيمفونية اجتماعية تثبت أن القناعات الوجدانية هي الأبقى والأقوى من النصوص القانونية.
وفي الختام، يظل الصيام هو الدرس الأسمى الذي يعلمنا كيف يمكن للفكرة أن تنظم حركة الواقع، وكيف يمكن لأقصى درجات الانضباط الجماعي أن تمنح الفرد أقصى درجات التحرر الروحي، محولاً المجتمع إلى نسق متناغم ينبض بالوقار والطمأنينة.




