د. منصور أبو كريّم
تُمثّل الفيضانات إحدى أبرز التحديات البيئية والإنسانية التي تواجه الدول، لما تسببه من خسائر بشرية ومادية وتعطيل للحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، شهدت المغرب خلال الأيام والأسابيع الأخيرة موجات من التساقطات المطرية الاستثنائية التي أدت إلى فيضانات في عدد من المناطق الحضرية والقروية، ما استدعى تدخلًا حكوميًا واسع النطاق قائمًا على مقاربة شمولية تجمع بين الاستجابة الطارئة والتخطيط الوقائي بعيد المدى.
وقد أظهرت هذه التجربة قدرة مؤسسات الدولة على تعبئة مواردها البشرية واللوجستية بسرعة وكفاءة، بما أسهم في حماية الأرواح والحد من الخسائر وتعزيز صمود المجتمعات المحلية.
تقوم المقاربة المغربية على مبدأ التدخل المبكر والتنسيق بين مختلف القطاعات، حيث جرى منذ الساعات الأولى تعبئة الأجهزة المدنية والعسكرية لضمان سرعة الاستجابة.
فقد اضطلعت القوات المسلحة الملكية بمهام الإنقاذ وفك العزلة عن المناطق المتضررة، عبر تسخير الآليات الثقيلة ووسائل النقل الجوي للوصول إلى الدواوير والمناطق الوعرة.
كما ساهمت المديرية العامة للأمن الوطني في تأمين المجال العام وتنظيم عمليات الإجلاء وضمان انسيابية حركة فرق الإسعاف والمساعدات، بينما كثّفت الوقاية المدنية تدخلاتها الميدانية لانتشال العالقين وتقديم الإسعافات الأولية ومعالجة الأضرار الفورية.
ولم يقتصر التدخل على الجانب الإغاثي، بل شمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية، من خلال إحداث مراكز إيواء مؤقتة مجهزة بالخدمات الأساسية، وتوفير المواد الغذائية ومياه الشرب والرعاية الصحية للفئات الأكثر هشاشة، لا سيما الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل.
كما برز دور الهلال الأحمر المغربي وفعاليات المجتمع المدني في تعزيز روح التضامن المجتمعي ودعم الجهود الرسمية، بما يعكس تكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع.
على المستوى الاقتصادي، اعتمدت السلطات حزمة من الإجراءات التعويضية لدعم الأسر المتضررة وإعادة تنشيط الأنشطة المحلية، شملت تعويضات مالية مباشرة، ومواكبة للفلاحين والمهنيين، إضافة إلى برامج لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة من طرق وقناطر وشبكات الماء والكهرباء.
وقد أسهمت هذه التدابير في تسريع وتيرة التعافي والحد من الآثار طويلة الأمد للكارثة على معيشة السكان. إلى جانب الاستجابة الطارئة، اعتمدت الحكومة آليات للتعافي الاقتصادي والاجتماعي تمثلت في إقرار مبدأ تعويضات مالية مباشرة للأسر المتضررة، ودعم الفلاحين والمهنيين الذين فقدوا مصادر دخلهم.
وتمثل هذه التعويضات أداةً مركزية في سياسات العدالة الاجتماعية وتقليص الهشاشة، إذ تُسهم في إعادة بناء سبل العيش وتسريع التعافي المحلي، والحد من الانزلاق نحو الفقر متعدد الأبعاد بعد الكوارث.
كما أُطلقت برامج لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة من طرق وقناطر وشبكات ماء وكهرباء، بما يضمن استمرارية الخدمات العمومية واستعادة النشاط الاقتصادي.
وتتميّز المقاربة المغربية كذلك ببعدها الوقائي والاستراتيجي، إذ لم تنحصر في تدبير آثار الكارثة بعد وقوعها، بل اتجهت نحو اعتماد سياسات استباقية للحدّ من المخاطر المستقبلية ضمن إطار متكامل لإدارة المخاطر.
فقد عملت الدولة على توسيع شبكة السدود، وتعزيز أنظمة تصريف مياه الأمطار، وتطوير منظومات الرصد والإنذار المبكر، بما يسمح بالتدخل السريع وتقليص الخسائر المحتملة.
كما شملت هذه التدابير إجراءات احترازية مباشرة لحماية السكان، من بينها إخلاء بعض المدن والقرى المهددة بالفيضانات، مثل مدينة القصر الكبير التي جرى إخلاؤها بشكل شبه كامل تفاديًا لوقوع خسائر بشرية أو نفوق الماشية.
وإلى جانب ذلك، تم إدماج إدارة المخاطر ضمن سياسات التخطيط الترابي وإعداد المجال، بما يضمن توجيه التوسع العمراني بعيدًا عن المناطق الهشة.
ويعكس هذا التوجه انتقالًا واضحًا في المغرب من منطق التدخل بعد وقوع الأزمة إلى منطق الاستعداد المسبق وبناء القدرة على الصمود المجتمعي، حيث تصبح الوقاية والتخطيط أدوات أساسية لتقليل كلفة الكوارث وتعزيز استدامة التنمية.
في المحصلة، تكشف التجربة المغربية أن فعالية إدارة الكوارث الطبيعية ترتبط بوجود رؤية مؤسسية متكاملة، تقوم على التنسيق بين مختلف الفاعلين، والتعبئة السريعة للموارد، وربط الاستجابة الإنسانية بإجراءات التعافي والتنمية المستدامة.
وبذلك، تقدم هذه المقاربة نموذجًا في الحوكمة الاستباقية للأزمات، حيث يتحول التدخل من مجرد احتواء للضرر إلى فرصة لتعزيز حماية المواطنين وتدعيم مسارات التنمية.
* كاتب وباحث سياسي فلسطيني




