منير لكماني – ألمانيا
عطر البدايات
تأتي ليالي رمضان في المغرب محملة بروائح لا تخطئها الذاكرة: بخار الحريرة، عبق النعناع، ودفء البيوت وهي تستقبل لحظة الإفطار. وفي قلب هذا المشهد الرمضاني تتربع الشباكية المغربية، حلوى تقليدية عريقة ارتبطت بالمائدة الرمضانية حتى صارت عند كثير من الأسر سيدة المعسلات المغربية بإمتياز.
ليست مجرد قطعة حلوى تؤكل، بل طقس صغير من الفرح، يوقع به المغاربة بداية الإفطار، ويكملون به حكاية الشهر الفضيل.
سيدة المعسلات
الشباكية حلوى مقلية تصنع من عجين منكه بالتوابل والعطرية المغربية، ثم تقلى حتى تكتسب لونا ذهبيا مائلا الى البني، وبعدها تغمس في العسل وتزين بالسمسم. وتمتاز بشكلها المشبك الذي يشبه الزهرة أو العقدة، وكأنها تعلن من مظهرها أنها صنعت لتكون مختلفة.
ولا تكاد تخلو مائدة إفطار مغربية من هذا الثنائي الشهير: الحريرة والشباكية. فالشباكية تلاطف حرارة الشوربة بمذاقها الحلو، وتوازن نكهة التوابل بلمسة العسل والسمسم، حتى غدت رمزا من رموز رمضان في المغرب.
تحضر في البيوت، وفي زيارات الأقارب، وفي صواني الضيافة التي تتبادلها الجارات بمحبة. ومن حيث الفكرة العامة تشبه الشباكية بعض المعسلات المعروفة مثل الزلابية والمشبك، لكنها تحتفظ بطابع مغربي خاص في الشكل والنكهة.
حكاية الأصل
حول أصل الشباكية تتعدد الروايات كما تتعدد قصص المدن العتيقة. فهناك من يعيدها الى المطبخ الأندلسي الذي انتقل الى المغرب مع موجات الهجرة بعد سقوط الأندلس، حاملا معه فنون الحلويات والعطور. وروايات أخرى تربطها بتأثيرات عثمانية عبر تركيا والجزائر، بسبب التشابه مع حلويات تقوم على القلي والتعسيل والتزيين.
لكن الأهم أن الشباكية، مهما اختلفت الحكايات، تجذرت داخل المغرب وتطورت وصفاتها عبر الزمن، وتكيفت مع خصوصيات كل منطقة. فظهرت أشكال وأسماء متعددة، ومع ذلك بقيت الشباكية جزءا ثابتا من الهوية الغذائية المغربية، لا يغيب عن رمضان ولا يبهت حضوره.
سر النكهة
سر الشباكية ليس في تعقيد مبالغ فيه، بل في إنسجام مكوناتها. فهي تبدأ بالدقيق، وغالبا دقيق القمح الأبيض، وقد يخلط بدقيق القمح الكامل في وصفات أخف. ثم تأتي المواد الدهنية مثل الزبدة المذابة وزيت المائدة، وأحيانا زيت الزيتون لمن يحب نكهته الواضحة.
أما قلب النكهة فهو عالم العطرية المغربية: السمسم المحمص والمطحون، وهو أساس الطعم والقوام، واللوز المطحون في بعض الأنواع الراقية، خصوصا في الوصفات الفاسية.
ثم التوابل والعطرية مثل القرفة، النافع، حبة الحلاوة، المسكة الحرة، الزعفران أو الكركم، ماء الزهر، والخل الذي يساعد على تماسك العجين ويمنحه توازنا لطيفا. وتضاف عناصر مساعدة مثل الخميرة والبيض والملح، وقليل من السكر في بعض الوصفات.
وفي النهاية تأتي اللحظة التي تمنح الشباكية إسمها العملي: التعسيل. تغمس في العسل الدافئ، ثم ترش بحبوب السمسم لتكتمل الصورة: لمعان شهي ورائحة تغريك قبل أول لقمة.
سر التشبيك
تحضير الشباكية يشبه عملا فنيا صغيرا، يبدأ بالعجين وينتهي بحلوى تشبه الزهرة. أولا يخلط الدقيق مع السمسم واللوز إن استعمل، ثم تضاف التوابل والملح.
بعدها تدمج الزبدة والزيت والخل وماء الزهر، ومعها البيض والخميرة، ويعجن الخليط مع ماء دافئ تدريجيا حتى يصبح عجينا متماسكا ولينا، ثم يترك ليرتاح كي يكتسب المرونة.
ثانيا يرق العجين ويقطع الى مستطيلات، وتفتح فيه شقوق وخطوط بواسطة أداة ( الدراجة) خاصة، ثم تجدل القطع باليد لتأخذ شكلها المعروف: زهرة أو عقدة متشابكة.
ثالثا تقلى القطع في زيت ساخن حتى تحمر وتصبح مقرمشة، ثم تغمس مباشرة في العسل الدافئ، وقد يضاف إليه ماء الزهر أو الليمون، وتصفى جيدا قبل تزيينها بالسمسم. وأخيرا تقدم عادة بجانب الحريرة والشاي المنعنع، ويمكن حفظها في علب محكمة لأسابيع بفضل القلي والتعسيل.
تعدد النسخ
من جمال الشباكية أنها تحمل بصمة كل منطقة. فالشباكية الفاسية أغنى مكونات، يكثر فيها اللوز والسمسم والزعفران الحر. والمخرقة إسم شائع في الرباط ونواحيها، وغالبا يقصد به شكل قريب جدا من الشباكية مع فروق بسيطة في الحجم أو طريقة التشبيك.
والقريوش إسم قديم أو جهوي داخل المغرب، ويظهر كذلك في بلدان مغاربية أخرى مع إختلافات خفيفة في الشكل والعجين. وتوجد تسميات اخرى مثل بشنيخة أو السباكيتي، تجمعها الفكرة نفسها مع إختلاف في السمك والقطع والتشكيل.
نجمة المائدة
الشباكية ليست فقط وصفة تحضر، بل ذاكرة تستعاد كل رمضان: ذاكرة الأمهات وهن يجدلن العجين، وذكريات الأطفال وهم يترقبون أول قطعة بعد أذان المغرب، ودفء البيوت وهي تتقاسم الصحون.
إنها حلوى مغربية بإمتياز، تجمع بين القرمشة والعسل، وبين العطر والتاريخ، وبين الطعام والهوية. وفي رمضان يكفي أن ترى لمعان العسل على خيوطها المتشابكة لتفهم لماذا بقيت الشباكية نجمة لا تغيب عن المائدة المغربية.




