آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

ملف الأسرى.. حين تتحول الورقة السياسية إلى عبء كارثي

اليوم، تحاول حركة حماس تسويق الالتزام بالاتفاق وإنهاء ملف الأسرى باعتباره إنجازًا سياسيًا. غير أن هذا الخطاب، مهما كانت دوافعه، لا ينجح في إخفاء حقيقة المأزق الذي تواجهه الحركة بعد السابع من أكتوبر..

د. منصور أبو كريّم

مع تسلّم جثة آخر أسير إسرائيلي من قطاع غزة قبل يومين، يُغلق أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا منذ السابع من أكتوبر. ملفٌّ كلف الفلسطينيين أثمانًا إنسانية وسياسية هائلة، دون أن يحقق مكاسب ملموسة تتناسب مع حجم التضحيات.

بل يمكن القول إن التمسك بورقة الأسرى الإسرائيليين كان أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في إطالة أمد حرب الإبادة، وما رافقها من قتل ودمار شاملين استمرا قرابة عامين.

اندفعت حركة حماس نحو عملية السابع من أكتوبر بدوافع تتعلق بتعزيز النفوذ السياسي والعسكري، والسعي إلى تحقيق نصر سياسي كبير يتمثل في فرض صفقة تبادل واسعة تُفرج عن أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين.

غير أن هذه الحسابات لم تأخذ بالقدر الكافي حجم الرد الإسرائيلي المتوقع، ولا طبيعة البيئة الدولية التي منحت الاحتلال غطاءً شبه مطلق لممارسة أقصى درجات العنف.

في الواقع، تحوّل ملف الأسرى من ورقة ضغط مفترضة إلى عبء استراتيجي. فبدل أن يؤدي إلى فرض شروط سياسية جديدة، استُخدم ذريعةً لاستمرار الحرب، بينما بقيت الأهداف الأساسية المعلنة دون تحقق.

لم تتغير موازين القوى، ولم تُفرض معادلة ردع جديدة، فيما دفع المدنيون الفلسطينيون الكلفة الأكبر من أرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم.

اليوم، تحاول حركة حماس تسويق الالتزام بالاتفاق وإنهاء ملف الأسرى باعتباره إنجازًا سياسيًا. غير أن هذا الخطاب، مهما كانت دوافعه، لا ينجح في إخفاء حقيقة المأزق الذي تواجهه الحركة بعد السابع من أكتوبر.

فإغلاق الملف دون تحقيق أهدافه الجوهرية يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الرهانات التي قادت إلى هذه النتيجة، وحول الفجوة بين الشعارات المعلنة والنتائج الفعلية.

في المقابل، فإن تسلّم آخر جثة إسرائيلية من غزة يفتح نافذة سياسية للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، في ظل تراجع المبررات التي استخدمها الاحتلال للمماطلة أو التصعيد.

ويزداد هذا الاحتمال مع إصرار الإدارة الأميركية، بقيادة دونالد ترامب، على المضي في تنفيذ الاتفاق وتجاوز أزماته، انطلاقًا من اعتبارات إقليمية تتجاوز السياق الفلسطيني وحده.

غير أن الانتقال إلى مرحلة جديدة لا ينبغي أن يتم دون مراجعة نقدية صريحة للتجربة السابقة. فما جرى منذ السابع من أكتوبر يؤكد أن غياب التقدير الدقيق للعواقب، والرهان على أدوات غير محسوبة، قد يقود إلى كلف كارثية تفوق أي مكسب محتمل.

والمفارقة المؤلمة أن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن قرارات لم تُترجم إلى إنجازات سياسية حقيقية.

 إن إغلاق ملف الأسرى لا يمثل نهاية الأزمة بقدر ما يشكل لحظة مكاشفة ضرورية. مكاشفة تفرض إعادة التفكير في استراتيجيات إدارة الصراع، وفي حدود القوة، وفي الكلفة الفعلية للخيارات التي تُتخذ باسم الشعب، بينما يتحمل هذا الشعب وحده نتائجها.

* كاتب وباحث سياسي فلسطيني 

https://anbaaexpress.ma/9h6ok

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى