آراء
أخر الأخبار

فلسفة النجاح والعداء الخفي (2): لغة الشماتة

قبل أيام فقط، كتبتُ عن العداء الخفي الذي يولده النجاح، وعن تلك الجيوش الصامتة التي لا تظهر إلا حين يسطع ضوء التنمية ويشتد وهج الازدهار.

واليوم، وكأن الواقع أراد أن يوقّع أسفل ذلك المقال، حيث جاءت مباراة المغرب والسنغال، كمرآة أخلاقية كاشفة وليس كحدث رياضي معزول، عرّت ما كنتُ أتحدث عنه نظريًا، وجعلته مشهدًا حيًا نابضًا.

إننا لم نخسر لقبًا فقط، لقد كُشفت لنا طبائع من حولنا. فالخسارة في الرياضة احتمال مشروع ووارد، أما الدناءة في السلوك فهي اختيار أخلاقي.

وما شاهدناه من أفعال داخل الملعب وخارجه، ومن احتفالات مريضة هنا وهناك، ومن تغريدات شماتة عند من يفترض أنهم » إخوة «هو نشوة انتقام نفسي قديم من نجاحٍ مغربيٍّ طال أمده وأوجع كثيرين.

فالمنتخب المغربي لم يُزعجهم يوم خسارته أمام السينغال، لأنه أزعجهم كثيرا قبل ذلك بتوالي نجاحاته العالمية قبل القارية.

أزعجهم حين صار رقمًا صعبًا، وحين فرض احترامه عالميًا، وحين أصبح منافسًا ومرجعًا وليس مجرد مشارك. لذلك، لم ينتظروا الهزيمة ليُظهروا مشاعرهم؛ كانوا فقط يبحثون عن لحظة يخرجون فيها ما خبأته صدورهم طويلًا: حقد الفشل، ومرارة المقارنة، وعقدة التفوق المغربي المتراكم.

وإن الشماتة تولد من العجز لا من الفرح. فالإنسان السويّ يهنئ الفائز ويحترم الخاسر، لأنه واثق من نفسه ومساره. أما المهووس بالآخر، العالق في مكانه، يفرح لأن المرآة انكسرت مؤقتًا ولم تعد تعكس قبح تأخره. وها نحن نرى بوضوح ما قصدته في مقالتي السابقة: النجاح لا يصنع الأعداء، وإنما يكشفهم.

وإن ما وقع من تصرفات لا رياضية، ومن سلوكيات استفزازية، ومن احتفال بالخذلان المغربي أكثر من الاحتفال بالإنجاز الذاتي سواء من جيراننا قرب الحدود أو بعيدا عنها، هو تأكيد صريح على أن المشكلة لم تكن يومًا مباراة، ولا لقبًا، لقد كانت – وما زالت – نجاحًا مغربيًا متواصلًا لم يجد له البعض تفسيرًا إلا بالعداء.

لكن، ولأننا أبناء مدرسة مختلفة، مدرسة العمل والإنجاز لا الشماتة والحقد، فإن الردّ يكون بما قلتُه سابقًا وأكرره اليوم بثقة أشد: بالاستمرار لا بالبكاء ولا بالانفعال، سنستمر وسنعود وسننجح أكثر.

وحين نفعل ذلك، سيعود نفس الضجيج، ونفس العواء، ونفس الاحتفال بسقوطنا إن تعثرنا، لأن المشكلة لم تكن يومًا في النتيجة، وإنما في كوننا أصلًا في القمة أو قريبين منها.

أما نحن، فنتعلم من الخسارة، ونُهذّب النصر، ونمضي قدما في طريق التنمية الشاملة. لأن من اعتاد السير للأمام لا يتوقف طويلًا عند ضحكات المتفرجين…خصوصًا أولئك الذين لم يدخلوا ركب التنمية يومًا، ولم يعرفوا معنى المنافسة الشريفة، ولا شرف المحاولة.

https://anbaaexpress.ma/03hs3

هشام فرجي

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى