لم تخفِ تركيا خلال العقدين الماضيين تنافر أجنداتها مع أجندات إيران في المنطقة. استبطن الجدل شراسة التنافر في مصالح أنقرة وطهران. تعايش البلدان داخل آلية أستانا لإدارة الصراع في سوريا، لكن أنقرة وقفت وراء فصائل تقاتل ضد فصائل تقف وراءها طهران.
ورغم أن المنافسة تنهل تاريخها من سياق صفوي-عثماني قديم، لكن أنقرة شديدة القلق هذه الأيام مما قد يحمله تحرك الشارع في إيران.
تخلت تركيا عن عقائد كانت ترى المنطقة ومصالح تركيا من خلال حنين إلى عثمانية قديمة والاعتماد لدورها في الشرق الأوسط على الإسلام السياسي. انتقلت من مبدأ “صفر مشاكل” العزيز على قلب أحمد داوود اوغلو، منظّر حزب العدالة والتنمية الحاكم قبل أن يدير ظهره للحزب وزعيمه، إلى مرحلة “كل المشاكل” التي شهدت تراكما من الخلافات مع المنطقة، ليس مع دمشق وبغداد فقط حيث كان لطهران المونة والنفوذ، بل أيضا مع القاهرة والرياض وأبو ظبي وعواصم أخرى أيضا. لكن تركيا الواقفة على تراث عقلاني أجادت إعادة قراءة العالم وتخفيف الخسائر واستعادة العافية والرشاقة.
لا تريد تركيا الواقعة على حدود إيران سقوط النظام في طهران. قد يوحي توسّع المظاهرات في إيران باحتمال من هذا النوع. ولا يبدو أن دونالد ترامب اذي يتوعد بضربات يدفع نحو ذلك لكنه يتمتع بفلاحة قد تأتيه بحصاد وفير. ولئن تسعى أنقرة لتقديم المشورة والدفع بالنصح لمن يريد أن يسمع في طهران، فإن الأمر ليس مزاجا تركيا فقط، بل هو ميل عام، تعبّر عنه رسائل السعودية والخليج والمنطقة، لا تريد فوضى وعبث شديد في المنطقة، لا سيما إذا كان مصدره دولة أساسية كبرى مثل إيران.
أمكن لإسرائيل أن تقدم نفسها من جديد نقيضا أساسيا لمعظم دول المنطقة، بعد أن نجحت إيران من خلال سياساتها ومحورها وميليشياتها في تصدّر هذا الدور في السنوات الأخيرة. أبلغت الرياض ضيفها دونالد ترامب في أيار 2025، أن المملكة ودول المنطقة يعتبرون نتنياهو الأكثر خطرا على سلامة واستقرار وازدهار منطقة يريدها ترامب أن تقبل السلام وفق اتفاقات إبراهيم.
ومن يراقب خرائط المنطقة من سوريا إلى القرن الأفريقي مرورا باليمن والممرات المائية وأحواض البحار وشبكات نقل الغاز وجبهات لبنان وغزّة وغيرها، سهل عليه استنتاج ماذا تعنيه تركيا ودول المنطقة في قراءة اللحظة الإسرائيلية وتحري بناء التحالفات لإجهاضها.
جرى في الأيام الأخيرة الترويج لأنباء تحدثت عن وساطة على شكل رسالة حملها وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي إلى طهران.
تبرعت بعض التحليلات في الحديث عن شروط أخيرة تمررها الولايات المتحدة، نُقلت في هذه الرحلة، أوحت بأن واشنطن ذاهبة لاتخاذ خيار آخر غير الدبلوماسية والتفاوض. وقد تكون هذه المعطيات هي ما دفعت ترامب، الإثنين، للحديث عن استئناف قريب للمفاوضات.
وبغضّ النظر عما إذا كان في الأنباء دقّة وحقيقة أو مجرد “كلام جرائد”، فإن أنقرة المتواصلة مع مسقط وعواصم المنطقة عجّلت، السبت، من خلال وزير الخارجية التركي حقان فيدان في توجيه عناوين إلى إيران توحيّ بأن تركيا تملك معطيات مقلقة تستدرجها، من خلال موقعها الإسلامي والأطلسي، وحتى “العثماني” والأتاتوركي معا، إلى تقديم وصفة تتطلب براغماتية لا يوحي بها خطاب المرشد علي خامنئي، قبل أيام.
من الآخر. يقول فيدان، المقرّب جدا من أردوغان والذي قاد جهاز المخابرات التركية لسنوات، إن على إيران الدخول في “مصالحة وتعاون حقيقيين” مع دول المنطقة.
ويسهل استنتاج الدفع بترياق استخدمته تركيا نفسها لإعادة ترميم علاقاتها مع كل المنطقة، لا سيما السعودية والإمارات ومصر. يسهل أيضا ملاحظة أن في ثنايا النصيحة تقويما تركيا يتهم إيران بأنها ما زالت بعيدة عن ذلك السلوك رغم الواجهة التي يتحراها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارحيته عباس عراقجي، ورغم ابرام الرياض وطهران وبرعاية الصين “اتفاق بكين” في آذار 2023.
يصفع فيدان طهران بالكلمات، لكنه يعالج الوجع بمداواته بالإقرار، وهذا يتوافق مع رواية خامنئي، بأنه يجري التلاعب بالاحتجاجات في إيران من الخارج، ومن إسرائيل بالذات من دون توجيه نفس التهمة إلى واشنطن.
كان خامنئي اعتبر أن وراء المظاهرات من يريدون مراضاة ترامب، فيما في تواصل أردوغان وترامب ما لا يدعم فرضيات شعبوية متعجّلة من هذا النوع.
لا تحب تركيا كما أي من بلدان المنطقة حراك الشوارع وما يمكن أن يولده من عبث وتحوّلات غير محسوبة. يرى فيدان أن إسرائيل تعلن رسميا تشجيعها للمتظاهرين، لكنه في سطور النصيحة يرسل سهاما مفادها أن إسرائيل تستغل وجود “علّة إيرانية” أصلاً للاصطياد في ما يتعكر من مياه.
ولئن تبلغ تركيا نظام طهران أنه العاجز عن اجتراح الحلول، فإن فيدان يغامر بالإشارة غير المقنعة إلى أن طهران ستصغي للمطالب وتستجيب لصدى الشوارع.
يقدم فيدان مبادئ عامة أولها المصالحة مع المنطقة، موحيا أن المنطقة يقلقها ولا يريحها وضع إيران سواء في ما يظهر من ضغوط الشوارع، وما تتوعد به واشنطن وتل أبيب من حرب مقبلة، أو ما يخلقه غياب اتفاق بين إيران والمجتمع الدولي من حالة عدم يقين مدمرة للمنطقة ولإيران نفسها.
لكن في وصايا فيدان أيضا “ماكيافيلية” تدعو إلى قراءة العالم وموازين قواه ودروس السنوات الأخيرة وعدم التعويل على ما يسمى حلف وحلفاء.
يقول فيدان إنه يجب على إيران أن تقتنع أن العالم ليس كما تراه بالضرورة طهران. لسان حاله يقول المنطقة تغيّرت منذ “طوفان الأقصى”والعالم تغيّر منذ حرب أوكرانيا، لكن أيضا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية.
يحمل الوزير التركي رسالة محمّلة بالمعطيات كاشفا أن شروطا تراها إيران غير مقبولة في أية طاولة مفاوضات مقبلة صار يجب التمعن في تأملها. يهمس في تصريحاته ما بين السطور: “إذهبوا إلى الاتفاق مع الفاعلين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الأميركيون، لأن استقرار المنطقة يمر عبر ذلك”.
هل تلتقي مسقط وأنقرة صدفة على بعث رسائل متقاطعة إلى طهران. هل يمتلك فيدان وأنقرة معطيات جديدة جادة عن شيء قادم أو عن آذان باتت صاغية في إيران؟
في فحوى السطور اعتقاد في تركيا بأن ما يجري في إيران غير مسبوق منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وأن موقف واشنطن أيضا لم يعد يشبه استراتيجيات التعايش والاحتواء التي قادت رونالد ريغن يوما إلى الهروب بجيشه بعد أن ضربت أذرع طهران مقر المارينز وسفارة واشنطن في لبنان عام 1983، وبعد أن اندفع باراك أوباما يوما آخر إلى توسّل صفقة نووية مع إيران عام 2015 ما زالت المنطقة تدفع ثمنها حتى الآن. وفي ثنايا القول دعوة لمواجهة اللحظة الإسرائيلية، معاً، بالاستناد إلى لحظة أميركية تاريخية يمثلها دونالد ترامب في واشنطن.




