دخل ملف قضية الصحراء المغربية مرحلة حاسمة وغير مسبوقة، يمكن وصفها بمرحلة العدّ التنازلي للنزاع المفتعل، وذلك في أعقاب قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797، وما رافقه من تنزيل عملي لمضامينه التي تؤكد، بشكل صريح وضمني، أن مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة الوطنية هو الحل الواقعي والوحيد القابل للتطبيق، في إطار احترام وحدة الدول واستقرار المنطقة.
هذا التحول لم يعد مجرد موقف سياسي، بل أصبح اتجاهاً دولياً ثابتاً يستند إلى الشرعية القانونية، والمرجعية التاريخية، والواقعية الجيوسياسية.
الشرعية القانونية والتاريخية لمغربية الصحراء
إن ما يميز الموقف المغربي اليوم، هو جمعه بين الشرعية القانونية الدولية والأحقية التاريخية الثابتة. فالمغرب لم يطرح مقترح الحكم الذاتي كحل ظرفي، بل كصيغة متقدمة لتكريس حق الساكنة الصحراوية في تدبير شؤونها المحلية، ضمن السيادة المغربية، وفق ما ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الحكامة الترابية.
وقد عزز هذا التوجه تجديد عدد من الدول اعترافها الصريح بمغربية الصحراء، وعلى رأسها فرنسا، في لحظة تشهد فيها العلاقات الجزائرية الفرنسية تصدعاً غير مسبوق، يعكس عزلة دبلوماسية خانقة يعيشها النظام الجزائري بسبب سياساته التصادمية وغير المتزنة مع محيطه الدولي.
بالتوازي مع هذا الزخم الدبلوماسي، بات المغرب يحظى باهتمام عالمي متزايد، ليس فقط بسبب ملف الصحراء، بل نتيجة نموذج تنموي وأمني ناجح.
وقد شكّل النجاح الباهر لتنظيم نسخة 35 من كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب رسالة واضحة للعالم حول تطور البنية التحتية، ونجاعة التنظيم، واستقرار الدولة، وقدرتها على احتضان التظاهرات الكبرى.
كما أن انضمام المغرب إلى مجلس السلام مؤخراً كعضو مؤسس منح المملكة بعداً استراتيجياً جديداً، ورسّخ موقعها كفاعل موثوق في حفظ السلم والاستقرار الإقليمي والدولي.
الجهوية المتقدمة: الإطار العملي للحكم الذاتي
وتقوم الجهوية المتقدمة في المغرب على نموذج حديث للحكامة الترابية، أُطلق رسمياً سنة 2015، ويهدف إلى نقل جزء مهم من السلطة والقرار من المركز إلى الجهات، في إطار دولة موحدة ذات سيادة كاملة.
ويمنح هذا النموذج الجهات المنتخبة ديمقراطياً صلاحيات واسعة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمار وتدبير الشأن المحلي، مع توفير موارد مالية وآليات حكامة قائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتُعد الجهوية المتقدمة ترجمة عملية ومتقدمة لمفهوم الحكم الذاتي داخل الوحدة الوطنية، ونموذجاً مطبقاً فعلياً في مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية، مما يؤكد جدية المغرب في إرساء حلول واقعية ومستدامة قائمة على اللامركزية والديمقراطية الترابية.
زيارة وفد البوليساريو إلى واشنطن: من السياسة إلى الهامش
في خضم هذه التحولات، جاءت زيارة وفد جبهة البوليساريو، وفق معطيات متطابقة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية مخيبة لآماله، حيث أكدت المعطيات أن الوفد لم يحقق أي اختراق سياسي، بل جرى تذكيره بالموقف الأمريكي الثابت الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي كحل وحيد للنزاع.
والمثير للانتباه أن هذه الزيارة عكست تحولاً نوعياً في التعاطي الدولي مع الجبهة، التي بات يُنظر إليها كـ مليشيا مسلحة أكثر منها طرفاً سياسياً، إذ لم تعد تُستقبل بمنطق دبلوماسي، بل طُرحت بشأنها أسئلة أمنية وحقوقية مقلقة، مرتبطة بالوضع داخل مخيمات تندوف، وبالانزلاقات الخطيرة لبعض العناصر المرتبطة بها في فضاء الساحل والصحراء.
مخيمات تندوف: انتهاكات وغياب الشرعية التمثيلية
من الزاوية الحقوقية، لا يمكن تجاهل حقيقة أن أغلب المحتجزين في مخيمات تندوف ليسوا جميعهم صحراويين، بل ينحدر عدد كبير منهم من دول الساحل، ومن الطوارق، ومن الجزائر نفسها، إضافة إلى تشاد والنيجر ومالي، في سياق تحوم حوله شبهات الاتجار بالبشر واستغلال المساعدات الإنسانية.
ويتم ذلك في غياب أي إحصاء أممي شفاف، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولمسؤوليات الدولة المستضيفة.
ولهذا، فإن أي تنزيل لمقترح الحكم الذاتي يجب أن يهم الصحراويين الحقيقيين فقط، وفق اللوائح والإحصائيات التي تتوفر عليها إسبانيا، باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة للأقاليم الجنوبية للمملكة.
ختاماً، تؤكد كل المعطيات السياسية، الحقوقية، والأمنية أن الزمن لم يعد في صالح جبهة البوليساريو ولا داعميها. فالعالم اختار الواقعية، والاستقرار، والحلول النهائية.
المغرب اليوم له أولويات تنموية كبرى، ورؤية استراتيجية واضحة، ولن يعود إلى الوراء.
أما مقترح الحكم الذاتي، فقد انتقل من مرحلة العرض إلى مرحلة التحصيل الدولي، وبات عنواناً لمرحلة جديدة تُغلق فيها صفحة نزاع مفتعل طال أمده، وتُفتح فيها صفحة السلام والتنمية تحت السيادة المغربية.




