آراءرياضة
أخر الأخبار

المغرب، الكرة، والغاز: قراءة في بطولة لم تكن عادية

لم تكن بطولة إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب مجرد مسابقة كروية، ولا حتى حدثًا رياضيًا قاريًا ناجحًا كما حاول البعض اختزاله. ما جرى كان أكبر من كرة، وأخطر من نتيجة، وأعمق من مدرجات. لقد كانت لحظة كاشفة: لحظة ظهر فيها المغرب كما هو فعلًا، قوة إفريقية صاعدة، ومشروعًا استراتيجيًا بات يزعج أكثر مما ينبغي.

منذ سنوات، والمغرب يتحرك بهدوء، بلا ضجيج، يبني نفوذه في إفريقيا لا بالخطب ولا بالشعارات، بل بالاستثمار، وبالشراكات، وبمشاريع كبرى تعيد الاعتبار للقارة.

هذا الصعود لم يأتِ صدفة، ولم يكن هبة من أحد، بل نتيجة رؤية واضحة: إفريقيا ليست عبئًا، بل مستقبلًا، والمغرب ليس هامشًا فيها، بل قلبها الشمالي النابض.

بطولة إفريقيا كانت واجهة لهذا التحول. تنظيم محكم، بنية تحتية، أمن، صورة دولة تعرف ما تفعل. وهذا بالضبط ما أزعج خصوم المغرب. لأن النجاح، في عالم اليوم، أخطر من الفشل. النجاح يفضح عجز الآخرين، ويكشف هشاشة مشاريعهم، ويُسقط سردياتهم القديمة.

لكن القلق الحقيقي لم يكن كرويًا. لم يكن خوفًا من لقب أو كأس. كان الخوف من شيء أعمق بكثير: مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب.

هذا المشروع هو كابوس جيوسياسي حقيقي لكل من اعتاد التحكم في إفريقيا من الخارج. أنبوب يعبر غرب القارة، يربط دولها في شبكة مصالح مشتركة، ويصل إلى أوروبا عبر المغرب. ماذا يعني هذا؟
يعني إفريقيا تفاوض من موقع قوة.

يعني نهاية الاحتكار.

يعني أن المغرب أصبح بوابة طاقية لا يمكن تجاوزها.

السنغال، في هذا السياق، ليست مجرد بلد شقيق، بل حلقة استراتيجية مركزية. علاقتها بالمغرب ليست علاقة ظرفية، بل علاقة ثقة عميقة، دينية وثقافية وسياسية.

كسر هذه العلاقة، أو حتى تشويشها، يعني ضرب أحد أعمدة مشروع الغاز، وضرب أحد مفاصل النفوذ المغربي في غرب إفريقيا.

وهنا جاءت مباراة النهائي.

فجأة، ارتفعت نبرة الإعلام. فجأة، تحولت لقطات عادية إلى “فضائح”. فجأة، صار كل شيء مؤامرة، وكل تصرف إهانة، وكل خطأ دليل عداء.

هذا ليس صدفة. هذا نمط معروف في حروب النفوذ الحديثة: حين تعجز عن المواجهة المباشرة، تلجأ إلى التشويه، وحين تفشل في السياسة، تستعمل الكرة.

المغرب كان الهدف، ليس لأنه أخطأ، بل لأنه تقدّم أكثر مما كان مسموحًا له في حسابات الآخرين. أرادوا تشويه صورته، ضرب مصداقيته، وتقديمه كطرف “مستفز” بدل كونه شريكًا موثوقًا. لكنهم فشلوا، لأن الواقع أقوى من الرواية، ولأن المغرب لم يعد في موقع الدفاع.

الحقيقة الصادمة التي يرفض البعض الاعتراف بها هي أن المغرب اليوم دولة قائدة في إفريقيا. لا تستجدي الشرعية، بل تفرضها بالعمل. لا ترفع الصوت، بل ترفع المشاريع. لا تشتغل ضد أحد، لكنها أيضًا لا تسمح لأحد أن يوقفها.

مشروع الغاز سيتقدم، لأن من يقف وراءه دول، وشعوب، ومصالح حقيقية. والعلاقات المغربية – السنغالية أعمق من مباراة، وأذكى من حملة، وأصلب من أن تُكسَر بهتاف أو عنوان صحفي.

ما حدث في كأس إفريقيا 2025 ليس إدانة للمغرب، بل شهادة قوة له. لأن الدول لا تُحارَب إلا عندما تصبح مؤثرة. والمغرب اليوم مؤثر.. إلى درجة الإزعاج.

وهذا، في ميزان التاريخ، ليس تهمة، بل وسام.

https://anbaaexpress.ma/eg7m2

محمد بوفتاس

كاتب صحفي وسيناريست مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى