– التصنيف: تحليل استراتيجي
– النطاق: الوضع الماكرو-اقتصادي، الحوكمة، الاستقرار الاجتماعي
– الأفق: 2026–2029
يأتي هذا التقرير كجزء ثانٍ متمّم للمقال الأول المعنون: «الجزائر في عهد تبون: كرونيك إفلاس مُعلَن.. وانفجار اجتماعي مُؤجَّل»، الذي ناقش بالتفصيل قانون المالية لسنة 2026، والذي يُجسِّد هذا التناقض البنيوي بوضوح صارخ، حيث رُصِدت ميزانية قياسية تناهز 17.636 مليار دينار، مقابل إيرادات لا تتجاوز 8.009 مليارات دينار، ما يُخلِّف عجزًا غير مسبوق يُقارب 9.627 مليارات دينار، أي ما بين 12 و13% من الناتج الداخلي الخام.
عند أعتاب عام 2026، تبدو الجزائر في حالة مفارقة بنيوية واضحة: نمو اسمي حقيقي في حدود 3–4%، أساسيات مالية ما تزال «قابلة للتنفس» (مديونية خارجية ضعيفة، احتياطات معتبرة من العملة الصعبة).
لكن نموذجًا اقتصاديًا قائمًا تقريبًا كليًا على ريع المحروقات في ظل حوكمة مغلقة، بيروقراطية، وموسومة بالفساد.
قانون المالية لسنة 2026 لا يُحوِّل هذا النموذج، بل يُمدِّده. فهو يُكرِّس عجزًا قياسيًا ممولًا بالريع وبالاستدانة الداخلية لشراء السلم الاجتماعي. هذه الاستراتيجية تزيد ميكانيكيًا من هشاشة البلاد أمام أي صدمة خارجية (أسعار النفط، التوترات الجيوسياسية، تقلُّص الطلب على الطاقة).
1. الخطر المركزي:
انزلاق مفاجئ في حال انعكاس أسواق الطاقة، مع عجز الدولة عن الحفاظ على التحويلات الاجتماعية.
→ تصاعد سريع للتوترات.
→ احتمال مرتفع لصدمة اجتماعية كبرى.
2. مؤشرات أساسية:
– المحروقات: أكثر من 90% من الصادرات و35–40% من إيرادات الميزانية.
– البطالة الرسمية: 11.2%.
– بطالة الشباب: تتجاوز 25% في عدة ولايات.
– الكتلة النقدية خارج البنوك: نحو 30%.
3. قانون المالية 2026: البنية والاختلالات
– النفقات الإجمالية: 17.636 مليار دينار.
– الإيرادات: 8.009 مليارات دينار.
– العجز: 9.627 مليارات دينار → ما بين 12 و13% من الناتج الداخلي الخام.
– توزيع النفقات:
كتلة الأجور العمومية: 5.926 مليارات دينار (≈ 34% من الميزانية).
التحويلات الاجتماعية: أكثر من 6.000 مليارات دينار.
الاستثمار المنتج الهيكلي: حصة هامشية.
– للمقارنة:
عتبة الاستدامة الدولية للعجز: ~3% من الناتج الداخلي الخام
في الاقتصادات الريعية، تجاوز 6% يمثل منطقة خطر.
– القراءة الاستراتيجية:
ميزانية 2026 ليست أداة تحوُّل، بل آلية لإطالة عمر النموذج الريعي عبر الإنفاق العمومي وإعادة التوزيع السياسي.
4. الفساد والحوكمة: الكلفة الاقتصادية الحقيقية
– مؤشر مدركات الفساد (ترانسبرانسي إنترناشيونال 2024):
النقطة: 34/100.
الترتيب: 107 من أصل 180.
– تقديرات البنك الدولي:
الدول عند هذا المستوى من الفساد تخسر 2 إلى 4% من الناتج الداخلي الخام سنويًا من حيث الفعالية الاقتصادية.
– بالنسبة للجزائر:
→ خسارة ضمنية سنوية تُقدَّر بين 5 و10 مليارات دولار (هدر المشاريع، تضخيم التكاليف، هروب الرساميل، تثبيط الاستثمار).
– مؤشرات خطر إضافية:
إدراج الجزائر في «اللائحة الرمادية» لـ GAFI.
تصنيف مرتفع في «مخاطر البلد» (COFACE، Euler Hermes).
ارتفاع كلفة رأس المال في أي عملية دولية.
5. الدينامية الاجتماعية والنزيف الديمغرافي (2021–2024)
أكثر من 180 ألف جزائري وصلوا إلى أوروبا بطرق غير نظامية
الجزائر ضمن أول ثلاثة بلدان مُصدِّرة للهجرة في غرب المتوسط
أكثر من 60% دون سن 30، نسبة معتبرة من حاملي الشهادات والتقنيين.
– الدلالة:
فقدان بنيوي للثقة في المستقبل الوطني.
تحوُّل الهجرة إلى استراتيجية جماعية.
إضعاف تدريجي لرأس المال البشري.
6. السيناريوهات الاستشرافية (2026–2028)
– السيناريو (أ): استمرار الوضع القائم (احتمال مرتفع)
سعر البرميل ≥ 70 دولارًا
استمرار التحويلات الاجتماعية
نمو ضعيف (3–4%)
تآكل بطيء للثقة
تراكم توترات كامنة → استقرار ظاهري، هشاشة حقيقية
– السيناريو (ب): صدمة خارجية (احتمال متوسط)
البرميل < 55 دولارًا لمدة 12–18 شهرًا
تقليص قسري للنفقات
توترات فورية في الميزانية
تصاعد سريع للسخط الاجتماعي → خطر عالٍ لزعزعة الاستقرار.
– السيناريو (ج): إصلاحات بنيوية (احتمال ضعيف)
انفتاح سياسي حقيقي
مكافحة جدية للفساد
إصلاح بنكي وجبائي
تأمين قانوني للاستثمار → مسار تحوُّل يتطلب قطيعة سياسية َمسبقة.
7. الخلاصة الاستراتيجية
– الجزائر ليست فقيرة، إنها سيئة الحوكمة.
– عجزها الأساسي ليس ماليًا، بل مؤسساتيًا. تستهلك اليوم ميزة الريع لتأجيل الإصلاحات الهيكلية.
– قانون المالية 2026 ليس رافعة تحوُّل، بل أداة مماطلة سياسية.
ما دام النموذج قائمًا على: إعادة توزيع ريعية، وضبط أمني، بالإضافة إلى استحواذ دوائر مغلقة.
فإن كل صدمة خارجية ستحوِّل الهشاشة الكامنة إلى أزمة مفتوحة. بهذا، دخلت الجزائر منطقة الاستقرار المخادع.
المسار نحو سيناريو الإفلاس (أفق 2029)
1. المسار الاقتصادي، الخطر البنيوي، وسيناريو إفلاس الدولة (2026–2029)
رغم أنها «تقف» اليوم بفضل الريع الطاقوي، إلا أن هذه الصلابة وهمية. والمؤشرات تكشف مسارًا غير قابل للاستدامة:
– نمو مصطنع قائم على الإنفاق العمومي.
– عجز بنيوي يفوق 12% من الناتج الداخلي الخام.
– تبعية شبه مطلقة للمحروقات.
– حوكمة مغلقة ومفترسة.
بحلول 2028–2029 قد تدخل البلاد منطقة كسر تتسم بـ:
– تراجع تدريجي للريع الطاقوي.
– عجز الدولة عن تمويل التزاماتها الاجتماعية.
– فقدان المصداقية المالية دوليًا.
– ضغط اجتماعي انفجاري.
– إفلاس الدولة هنا ليس شعارًا، بل سيناريو ماكرو-اقتصادي محتمل إذا استمر المسار الحالي.
2. التبعية الطاقوية: ركيزة في تآكل
المحروقات:
90% من الصادرات.
35–40% من الإيرادات.
95% من العملة الصعبة.
حسب تقديرات IEA وOPEP وسوناطراك:
– الاستهلاك الداخلي للغاز قد يبلغ 55–60% من الإنتاج في 2030.
– قدرة التصدير الصافي قد تنخفض 25–30% بحلول 2029.
– كل مليار م³ غير مُصدَّر = 300–400 مليون دولار خسارة سنوية.
– تراجع بـ 15–20 مليار م³ يعني 5–7 مليارات دولار خسائر سنوية.
في نموذج يُموَّل فيه السلم الاجتماعي بالريع، هذا بتر حيوي.
3. ميزانية 2026: قنبلة موقوتة
– النفقات: 17.636 مليار دينار.
– الإيرادات: 8.009 مليارات دينار.
– العجز: 9.627 مليارات دينار (12–13% من الناتج).
سعر التوازن الحقيقي للميزانية يُقدَّر بين 95 و110 دولارًا للبرميل، بينما تفترض الميزانية 60–75 دولارًا.
كل انخفاض بـ 10 دولارات:
خسارة 700–900 مليار دينار.
ضغط فوري على الاحتياطات.
لجوء أكبر للاستدانة الداخلية.
بحلول 2028–2029 ستُستنزف الهوامش، وسيُفرَض أحد الخيارات الثلاثة:
– خفض حاد للدعم.
– طباعة النقود.
– العودة إلى الاستدانة الخارجية.
كلها خيارات انفجارية سياسيًا.
4. سيناريو الإفلاس (2029)
لا يعني التوقف الرسمي عن الدفع فقط، بل تراكب ما يلي:
– عجز دائم عن تمويل:
دعم الطاقة.
الإعانات الاجتماعية.
الأجور العمومية.
– تدهور سريع:
الاحتياطات.
العملة.
القدرة على الاستيراد.
– فقدان الثقة الدولية:
ارتفاع كلفة الائتمان.
تجميد المشاريع.
عزلة مالية.
– أثر اجتماعي:
قفزة في كلفة المعيشة.
نهاية «العقد الريعي».
تحوُّل السخط إلى غضب مفتوح.
السؤال لن يكون «هل» تقع الأزمة، بل «كيف» تتجلى:
– احتجاجات محلية تصبح وطنية.
– شلل المدن الكبرى.
– تصدعات داخل أجهزة الدولة.
– إعادة تشكيل عنيفة للعلاقة بين المجتمع والسلطة.
ختامًا: تعيش الجزائر على وهم الصلابة. تستهلك رأسمالًا طاقويًا وماليًا غير متجدد دون بناء بديل منتج.
اختيار النظام واضح: تأجيل الإصلاح، شراء الوقت، إغلاق السياسة.
كل برميل = دقيقة مهلة.
كل دعم = مُهدِّئ اجتماعي.
كل عجز = دين سياسي للمستقبل.
بحلول 2029، إذا استمر المسار:
– الريع لن يكفي.
– الدين الداخلي سيصبح سامًا.
– السلم الاجتماعي لن يُشترى.
وستدخل الدولة منطقة كسر تاريخية.
الجزائر لا تدان بمواردها، بل بنظام يُفضِّل تأجيل الانهيار على بناء المستقبل.




