لم يكن أبو عبيدة، حتى في حياته، مجرد متحدث عسكري أو صوت يخرج من خلف لثام، ولذلك فإن خبر رحيله لم يكن نهاية لحكاية، بل انتقالا في طبيعة الحضور.
فبعض الشخصيات لا تنطفئ بالموت، بل تبدأ فعلها الرمزي الحقيقي بعده، حين يتحرر الصوت من الجسد، ويتحول إلى ذاكرة جمعية، وإلى خطاب يعيش في الوعي أكثر مما عاش في الزمن.
رحيل أبي عبيدة جاء في لحظة عربية وإسلامية مثقلة بالخذلان، لحظة تبحث فيها الجماعة عن معنى ثابت وسط انهيار السرديات الكبرى.
لذلك لم يستقبل الغياب بوصفه خسارة فرد، بل بوصفه اختبارا لمعنى الرمز نفسه، هل كان الرجل حالة عابرة مرتبطة بسياقها، أم كان تعبيرا عن حاجة عميقة في الوعي الجمعي؟ الإجابة جاءت سريعا من حجم التفاعل، ومن الطريقة التي أعيد بها إنتاج خطابه، لا كأرشيف، بل كمرجعية.
أبو عبيدة، وهو حي، اشتغل على تفكيك صورة “الزعيم” لصالح صورة “الوظيفة الرمزية”. لم يقدم نفسه يوما باعتباره بطلا فرديا بل كصوت ناطق باسم فكرة.
وحين غاب الجسد، بقيت الفكرة، بل ازدادت كثافة. هنا تتجلى المفارقة.. الموت الذي يسقط عادة الهالة، عززهها في حالته، لأن البناء الرمزي كان مكتملا قبل الرحيل.
في الخطاب الجمعي العربي والإسلامي، تحول أبو عبيدة بعد وفاته إلى معيار نفسي وأخلاقي للمقاومة. لم يعد مجرد اسم يذكر، بل نقطة مقارنة، يقاس بها صدق الخطاب، وانسجام القول مع الفعل، وقدرة الكلمة على أن تكون امتدادًا للفعل لا بديلاً عنه. وهنا يكمن تأثيره الأعمق.. فقد أعاد تعريف “المتحدث” لا كناقل خبر، بل كحارس للمعنى في زمن الانفلات الإعلامي.
غيابه الجسدي كشف أن قوته لم تكن في حضوره الإعلامي المحدود، بل في الاقتصاد اللغوي، وفي الصمت المدروس، وفي النبرة التي لا تلهث خلف التأثير، بل تفرضه.
ولذلك، استمر خطابه بعد موته وكأنه لم ينقطع.. يعاد تداوله، لا بوصفه ذكرى، بل كأداة تعبئة نفسية، وكمصدر توازن داخلي لجمهور عربي اعتاد أن يرى رموزه تنهار أخلاقيا قبل أن تغيب جسديا.
على المستوى النفسي، لعب رحيل أبي عبيدة دورا معاكسا لما كان يراد له. بدل أن يكرس الإحباط، أعاد تثبيت فكرة الاستمرارية.. أن الفكرة لا تموت بموت حاملها، وأن المقاومة، بوصفها سردية، أقوى من الأشخاص.
هذا التحول من الشخص إلى الرمز هو ما منح حضوره بعد الوفاة امتدادا أوسع، وجعل اسمه يستدعى في سياقات لم يكن حاضرًا فيها سابقا، بوصفه “نموذجا” لا “متحدثا”.
أما على مستوى المستقبل، فإن أبو عبيدة بعد رحيله يمثل لحظة تأسيسية في الوعي السياسي والإعلامي للمقاومة. لقد فتح أفقا جديدًا لفهم العلاقة بين الخطاب والجمهور، وبين الرمز والزمن.
النموذج الذي تركه لا يستنسخ شكليا، ولا يقلد لغويا، بل يستلهم بوصفه منطقا، خطاب قليل، واضح، منضبط، متصالح مع الواقع، وغير خاضع لمنطق الاستعراض.
خطورة هذا الامتداد تكمن في أنه عابر للأجيال. فالأجيال التي لم تسمعه مباشرًة ستتلقاه كجزء من الذاكرة، لا كحدث. والذاكرة، حين تتجذر، تصبح أكثر فاعلية من الحدث نفسه. بهذا المعنى، لم يعد أبو عبيدة شخصية زمنية، بل مكونا من مكوّنات السردية المقاومة في الوعي العربي والإسلامي.
هكذا، يتبين أن وفاة أبي عبيدة لم تغلق الدائرة، بل أعادت رسمها. من صوت خرج في لحظة اشتباك، إلى رمز يستقر في الذاكرة. ومن جسد غاب، إلى معنى يصعب محوه. وفي زمن تتآكل فيه الرموز بسرعة، يقدم أبو عبيدة درسا قاسيا وبليغا.. أن بعض الغياب أشد حضورا من ألف ظهور.





مقال رائع يوصف الحالة العربية بتفصيل بعد استشهاد رمز من رموز المقاومة فقدناها جسدًا ولكن حضورها باق إلى ما شاء الله .نحن فعلًا فؤ مرحلة مفصلية شكل فيها أبو عبيدة ولأول مرة مقاوم لا نعرف شكلة ولا أوصافه المادية ولكننا بتنا نحفظ نبرة صوته أعادت لنا ذاكرتنا جرعة واحدة تاريخنا العربي المقاوم بالعموم ونضالنا الفلسطيني بالخصوص .
هذه الأجيال عايشت نموذج جديد للمناضل والمقاوم يزكي كيانه وكينونته أمام الكل وهم الكل .
تفكيك واقعي عميق موضوعي .. لايقدر عليه الا من له بصيرة ثاقبة ومثقف عضوي هكذا تكون الأقلام المتزنة تحياتي سي عبدالحي بوركتم