آراء
أخر الأخبار

ما بعد الحقيقة..

تؤكد العلوم المعرفية أن استخدام الأنترنيت، وقراءة الرسائل أو كتابتها بالإصبع، واستخدام الويكيبيديا أو الفيسبوك، لا ينشط الخلايا العصبية نفسها ولا المناطق القشرية في الدماغ، كما يفعل استخدام الكتاب أو اللوح أو الدفتر

يونس مجاهد

كانت التقنية، ومازالت، تطرح إشكالات فكرية، في علاقتها بالإنسان ومحيطه الطبيعي والاجتماعي، وقد ناقشها العديد من الفلاسفة والمفكرين، منذ القدم، كما تطرق إليها بعمق، الفيلسوف الألماني، مارتن هايدغر، الذي اعتبر أن التقنية لا تحمل معنى تكنولوجيا ضيقا، بل تمتلك دلالة ميتافيزيقية، باعتبارها نوعا من العلاقة التي ترتبط الإنسان مع العالم، ولذلك فأبعادها النفسية والعقلية والاجتماعية، متعددة، لأنها تحدث تحولات كبيرة في علاقة الإنسان بالآخرين وبالطبيعة.

كما تميزت مدرسة فرانكفورت، بنقد صارم للتكنولوجيا المرافقة للنظام الرأسمالي المتقدم، حيث اعتبرت أنها ليست أداة محايدة، بل تمثل قوة اجتماعية وسياسية، تتحكم في الفكر والسلوك، بل أن من بين فلاسفتها من وصفها بالبربرية الجديدة.

وقد فتح الفيلسوف الكندي، مارشال مكلوهان، جدلا واسعا، عندما دافع بقوة عن أطروحة ثورية، تؤكد أن التقنية ليست محايدة، لأن الأهم في وسائط التواصل، ليس محتواها، بل هي في حد ذاتها، فالوسيط هو الرسالة، وكل وسيلة إعلام تثير جزءا مختلفا من حواسنا الخمس، لذلك فتكنولوجيا التواصل تمثل امتدادا لجسمنا وحواسنا.

وفي نفس التوجه، أصدر الفيلسوف الفرنسي، ميشيل سير، كتابا تحت عنوان، “الإبهام الصغيرة”، الذي يحلل علاقة الأجيال الشابة بالتكنولوجيا الرقمية، والتي تستخدم الإبهام الصغير في الكتابة على الهاتف النقال، مما أحدث طفرة نوعية جديدة، لدى الشباب واليافعين وحتى الأطفال، في أدراكهم ومعارفهم وطريقة تواصلهم، مختلفة بشكل واضح عن الأجيال السابقة، ولذلك يعتبر الفيلسوف أنه من الضروري إعادة التفكير في المؤسسات التعليمية والسياسية التقليدية.

ويفسر ميشيل سير هذا التحول الذي جعل الأطفال يعيشون اليوم في عالم افتراضي، أدى إلى تحولات في طريقة تفاعلهم العصبية والعقلية، حيث تؤكد العلوم المعرفية أن استخدام الأنترنيت، وقراءة الرسائل أو كتابتها بالإصبع، واستخدام الويكيبيديا أو الفيسبوك، لا ينشط الخلايا العصبية نفسها ولا المناطق القشرية في الدماغ، كما يفعل استخدام الكتاب أو اللوح أو الدفتر.

وبذلك يكون هذا الفيلسوف الفرنسي قد طور أطروحة مكلوهان، حول دور التكنولوجيا في إثارة الحواس والخلايا العصبية، مما أنتج طرقا مختلفة في الإدراك والتفاعل مع الناس ومع العالم، ودون أن نلاحظ أي شيء، ولد الإنسان الجديد، الإنسان المختلف، وولدت معه فلسفة تواصلية جديدة.

من بين تجليات هذا العالم الجديد، ظهور مفهوم “ما بعد الحقيقة”، ففي سنة 2016، منحت قواميس أكسفورد هذا المصطلح لقب كلمة العام، ووفقا لتعريف القواميس، يشير هذا التعبير إلى “الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيرا في تشكيل الرأي العام، من النداءات العاطفية والآراء الشخصية”.

فالخوارزميات التي تتحكم في وسائل التواصل الاجتماعي، لا تميز بين الخبر الصحيح والخبر الزائف، بل ما يهمها هو تضخيم الاستجابة العاطفية للمستخدمين، ولو كانت بواسطة حسابات وهمية، كما يحصل في الفايسبوك، حيث تسود هذا النوع من الممارسة، في الحملات المنظمة، التي تقف وراءها لوبيات سياسية أو مجموعات مالية أو أجهزة استخباراتية.

إن مفهوم ما بعد الحقيقة، يشير إلى سياقات جديدة، أصبحت فيه المشاعر والعواطف والمعتقدات الشخصية، أكثر تأثيرا في تشكيل الرأي العام من الحقائق الموضوعية والبراهين القابلة للتحقق، حيث تفقد الحقائق الموضوعية قدرتها على الإقناع، مقارنة بالسرديات العاطفية أو الروايات التي تتوافق مع الأفكار المسبقة.

إن تآكل الموضوعية، تتمثل في أن الناس أصبحوا يصدقون المعلومات التي تتماشى مع معتقداتهم ونزوعاتهم الذاتية، ويرفضون ما يعارضها، حتى لو كانت مثبتة بالحجج الدامغة، وتوظف الخوارزميات هاته التقنية بامتياز، في خلق سجن من الفقاعات يقدم للمستخدم ما يروقه، وفي انتشار المعلومات المضللة والأخبار المزورة بسرعة غير مسبوقة.

لذا فإن ما بعد الحقيقة هو نظام اتصالي جديد تعيد فيه العواطف والانتماءات الجماعية تشكيل علاقة الناس بالواقع.

فالتقنية ليست محايدة، لأن الذكاء الاصطناعي، والتتبع الرقمي، واقتصاد المنصات، وهي كلها تكنولوجيات مرتبطة بالشركات العملاقة، تمثل شكلا جديدا من “الهيمنة”، كما تقول مدرسة فرانكفورت، لأنها تتحكم في المعلومات العامة والبيانات الشخصية وفي تشكيل الوعي، وتفرض منطق السوق على كل مناحي الحياة، لكن الأخطر هو أنها تخلق وعيا زائفا، يتم فيه استعباد الإنسان عبر تضخيم التعبيرات العاطفية الآنية، والإصطفافات السياسية والإيديولوجية، بشكل متعصب، بدل التفكير العقلاني النقدي.

https://anbaaexpress.ma/bwdrr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى