آراءثقافة
أخر الأخبار

قراءة ورش في المغرب الأقصى.. تشكل الإختيار وإستمراره

تميزت رواية ورش، خاصة من طريق الأزرق، بخصائص أدائية محددة، من أبرزها التخفيف في الهمز، وتعدد أوجه النقل، واتساع المدود...

منير لكماني – ألمانيا

يمثل إختلاف القراءات القرآنية ظاهرة علمية راسخة في تاريخ الثقافة الإسلامية، حيث تعددت أوجه الأداء مع بقاء النص واحدا في رسمه ومضمونه. وقد أسهم هذا التعدد في تشكل تقاليد قرائية إقليمية، ارتبطت بسياقات علمية وتاريخية ولغوية خاصة.

ويبرز المغرب الأقصى بوصفه نموذجا واضحا في هذا السياق، من خلال إستقراره الطويل على قراءة نافع المدني من رواية ورش، خاصة من طريق الأزرق، في مقابل شيوع روايات أخرى في مناطق إسلامية واسعة.

الجذور التاريخية للإختيار

يرتبط إعتماد قراءة نافع في الغرب الإسلامي بمسار تاريخي واضح المعالم. فقد كانت المدينة المنورة مركزا أساسيا لتلقي القراءة، حيث انتهت رياسة الإقراء إلى نافع بن عبد الرحمن.

ومن هناك انتقلت القراءة إلى مصر عبر تلامذته، ثم إلى القيروان فالأندلس، قبل أن تبلغ المغرب الأقصى. وقد تم هذا الإنتقال ضمن شبكات علمية قائمة على التلقي المباشر والإسناد، مما منح القراءة مكانة علمية قوية أهلتها للإنتشار والإستقرار.

وقد لعب علماء الأندلس دورا محوريا في نقل هذه القراءة إلى المغرب، إذ أسهموا في ترسيخها داخل المؤسسات التعليمية والمساجد، فأصبحت جزءا من البنية العلمية المحلية منذ مراحل مبكرة.

العلاقة بين الفقه والقراءة

لا يمكن فصل اختيار رواية ورش عن السياق المذهبي العام. فقد تبنى المغاربة المذهب المالكي في الفقه، وهو مذهب نشأ في البيئة نفسها التي نشأت فيها قراءة نافع.

وقد أدى هذا التلاقي بين المرجعية الفقهية والمرجعية القرائية إلى بناء انسجام داخلي داخل المنظومة العلمية، جعل قراءة نافع تبدو امتدادا طبيعيا للاختيار الفقهي، لا مسارا منفصلا عنه.

وقد انعكس هذا الانسجام في مناهج التعليم، حيث كان التكوين الفقهي والتلقي القرائي يسيران في اتجاه واحد، مما عزز إستقرار هذا الإختيار عبر الأجيال.

الإعتبارات اللغوية والأدائية

تميزت رواية ورش، خاصة من طريق الأزرق، بخصائص أدائية محددة، من أبرزها التخفيف في الهمز، وتعدد أوجه النقل، واتساع المدود. وقد انسجمت هذه الخصائص مع البنية الصوتية واللهجية السائدة في المغرب الأقصى، حيث تميل الأذن المحلية إلى التليين وتجنب الثقل في النطق.

وقد أسهم هذا الانسجام في تسهيل الحفظ والتلقي، لا سيما في سياق التعليم الشفوي، مما جعل القراءة الورشية أكثر قابلية للإنتقال والإستمرار مقارنة بغيرها من الروايات.

دور التعليم التقليدي

شكل التعليم التقليدي عاملا حاسما في تثبيت قراءة ورش. فقد كان حفظ القرآن بهذه الرواية هو المدخل الأساسي للتعلم في الكتاتيب، ثم في المدارس العتيقة. ومع التكرار اليومي، تحولت القراءة من معرفة نظرية إلى ملكة أدائية راسخة، يصعب انفكاك المتعلم عنها في المراحل اللاحقة.

وقد أسهم هذا النمط من التعليم في توحيد الذوق القرائي داخل المجتمع، وجعل رواية ورش المرجع الضمني للتلقي القرآني.

التثبيت المؤسسي

في مراحل لاحقة، اكتسب هذا الإختيار بعدا مؤسساتيا واضحا. فقد عملت الدولة، خاصة في العهد العلوي، على توحيد المصحف والضبط وفق رواية ورش، سواء عبر النسخ المخطوط أو الطباعة الحديثة، ثم عبر اعتمادها في التعليم والإعلام. ولم يكن هذا التثبيت فرضا لإختيار جديد، بل تقنينا لما استقر فعليا في الممارسة العلمية والاجتماعية.

دلالات الإستقرار القرائي

يتبين أن إستقرار المغاربة على قراءة ورش عن نافع من طريق الأزرق لم يكن نتيجة عامل واحد، بل ثمرة تفاعل بين مسار تاريخي متدرج، وإنسجام مذهبي، وملاءمة لغوية، ونظام تعليمي متماسك، ودعم مؤسساتي مستمر.

وقد حول هذا التفاعل القراءة الورشية من رواية معتمدة إلى إطار عام للتلقي القرآني، يفسر قدرتها على الإستمرار والتجذر عبر القرون، ضمن توازن دقيق بين الثبات التاريخي والذوق اللغوي.

https://anbaaexpress.ma/95lwu

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى