إن الفكر العميق يتعدى وصف الظواهر إلى اختراق قوانين الأشياء الخفية، فيستنطق سنن التاريخ كما يسوق النهر مجراه. ومن أظهر هذه السنن ما كشف عنه الوحي حين قرن أحوال الاجتماع البشري بميزان القيم، فقال تعالى:
﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾،
هذا الحكم ليس لعنة على مكان أو قبيلة بعينها، إنه تشخيص دقيق لبنية نفسية واجتماعية تتشكل حين يطغى منطق البادية على ميزان الرسالة. فهو يبرز العلاقة العميقة بين نمط العيش، وتشكّل الوعي، واستجابة القلب لهداية الله أو انغلاقه عنها.
وإذا تأملنا أحوال الناس في أطراف العمران وبطون الفيافي، ندرك أن البادية تُنبت الطبائع، وتنسج الأخلاق، وتنحت النفوس كما ينحت الماء الصخر. فالبيئة مدرسة صامتة، تكتب سطورها في الضمير قبل أن تظهر في السلوك.
ففي البادية يُولد الإنسان مكشوفًا لسطوة الطبيعة، ومربوطًا بحبل الضرورة. حيث يتعلم أن النجاة قانون، وأن القوة لغة، وأن البقاء أول الدروس.
ومن هذا النسق تتشكل العصبيات، وتقوى الأواصر، وتتشكل النفوس على مثال الأرض: صلبة عند الشدائد، وسريعة الاشتعال إذا مسّت الكرامة، ومحدودة الصبر أمام القيود، وقليلة الألفة مع الحدود التي لا تصدر عن منطق القبيلة.
ومن هنا يُفهم سرّ الإشارة الإلهية إلى شدة الكفر والنفاق في هذا النمط من الاجتماع. فالظروف المحيطة بالأفراد تضيق فيها مساحات التأمل، وتغلب عليها ضرورات النجاة، فيضعف سلطان المعنى، ويشتد سلطان المنفعة. وهكذا يصبح الدين، عند من لم يتهذّب قلبه، عبئًا ثقيلًا في طريق البقاء.
ومع مرور الزمن، تنتقل هذه الروح من الفلاة إلى الحاضرة، فتقوم مدن بأجساد مدنية ونفوس بدوية، وتُدار مؤسسات حديثة بعقول تنظيمية وأهواء قبلية، ويُرفع شعار النظام فيما تتحكم في العمق نوازع الغلبة والعصبية. وهنا يبدأ الخلل العظيم: عمران بلا روح، وقوة بلا قيم، ونظام يفتقر للعدل.
غير أن البادية، رغم شدتها، لم تكن لعنة خالصة؛ ففي صمتها وُلد الصبر، وفي قسوتها تربى الشجاعة، وفي وحدتها يتعلم الإنسان معنى الاعتماد على النفس.
والخطر كل الخطر حين تعجز النفوس عن مغادرة البادية التي نشأت فيها، فتحملها إلى كل موضع، وتحوّل كل أرض تطأها إلى بادية جديدة.
فالعمران الحقّ لا يقوم بانتقال الأجساد من الخيام إلى الجدران، وإنما يقون بانتقال القلوب من منطق النجاة إلى منطق الرسالة، ومن سلطان العصبية إلى سلطان القيم، ومن حكم الضرورة إلى حكم الهداية.
وهكذا تقرر سنن الاجتماع، كما تقرر سنن الوحي، أن الأمم لا تقوم بقيام الأبنية ولا باتساع السلطان، وإنما بقيام المعنى في النفوس. فإذا سبق العمران تهذيب القلوب، أفرز مدنًا عامرة المظهر خاوية الجوهر. وإذا هُذبت النفوس قبل تشييد البنيان، استقام التاريخ، وانفتح للإنسان أفق الحضارة الحقيقية؛ حضارة تقوم على الهداية قبل القوة، وعلى القيم قبل الغلبة، وعلى الإنسان قبل المكان.
فالدرس المستفاد واضح: البناء الحقيقي يبدأ من الداخل قبل الخارج، والقيم تبني النفوس قبل الحجر، والرسالة تهذب القلوب قبل أن تعمر الأرض.




