في دقائق معدودة، كان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بين أيدي القوات الأمريكية الخاصة، في عملية أثبتت قدرة واشنطن على تحريك الملفات المعقدة بسرعة غير متوقعة، بعد سنوات من التلويح العسكري المستمر على كراكاس.
مادورو، الحاكم البوليفاري الذي ورث حكمه عن تشافيز وأرسى ما سمي “الجمهورية الخامسة”، لم يكن مجرد رئيس دولة، بل كان عمقا استراتيجيا للطرح الانفصالي في الصحراء، حيث قدمت فنزويلا دعما سياسياً وعسكرياً لجبهة البوليساريو لعقود، لتصبح كراكاس أحد أعمدة هذا المشروع خارج الأراضي الجزائرية.
سقوط مادورو ليس حدثا داخليا يخص فنزويلا فحسب، بل إشارة قوية لانهيار شبكة معقدة من حلفاء الجبهة الانفصالية، في توقيت تتجه فيه أوروبا نحو دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي ونهائي للنزاع المفتعل.
هذا التحول الدولي جاء بعد عقود من تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية، ليؤكد أن الدول التي تقف مع المشاريع الانفصالية غالباً ما تواجه مصيراً مشابهاً..سقوطا متتابعا لحلفائها وإضعافا تدريجيا لورقتهم السياسية.
العلاقة بين مادورو والبوليساريو لم تكن عابرة. كل لقاء رسمي، كل زيارة، كل وسام أو اتفاق تعاون، كان يؤكد أن دعم كراكاس للجبهة ليس شعارا، بل قاعدة عملية، تمنح الجزائر موطئ قدم في السياسة الدولية عبر واجهة فنزويلا.
استقباله في يونيو 2022 للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وتحريك ملف البوليساريو، كان جزءا من لعبة دبلوماسية معقدة حاول مادورو من خلالها حماية مصالحه السياسية في ظل عزلة بلاده الاقتصادية والدولية.
من جهة أخرى، المغرب أدرك منذ سنوات أن استمرار مادورو في السلطة يعني استمرار النفوذ الانفصالي في أمريكا اللاتينية، فاتخذ موقفاً استباقيا بدعم المعارضة الفنزويلية واعترافه برئيس البرلمان المؤقت خوان غوايدو، الذي سرعان ما أعرب عن دعمه لمقترح الحكم الذاتي، ليصبح رافعة دبلوماسية واقعية لتقليص مساحة الدعم الدولي للجبهة الانفصالية.
ما يجعل سقوط مادورو مؤثرا هو أن هذه الحلقة ليست الأولى في مسلسل انهيار حلفاء البوليساريو. منذ 2011، بعد قتل القذافي، الذي أسس ومول الجبهة، وحتى سقوط نظام الأسد في 2024، يتكرر النمط نفسه.. انهيار حلفاء الجبهة مع فقدانهم الدعم العسكري والسياسي، لتجد الجبهة نفسها أمام شبكة معقدة من الضغوط الدولية تفقد معها الحماية التي ظلت ترافقها لعقود.
بالإضافة إلى ذلك، إيران وحزب الله، اللذان دعما الجبهة في الماضي، يعيشان مرحلة ضعف غير مسبوقة. ضربات جوية أمريكية إسرائيلية استهدفت قيادات مهمة، وأزمات داخلية متصاعدة، جعلت هذين الحليفين عاجزين عن تقديم الدعم السياسي أو العسكري الفعال للبوليساريو، مما يضع الجزائر وحدها أمام تحدي جديد، بعد أن أصبحت كل تحركاتها تحت المراقبة والضغط الدولي لإنجاح مقترح الحكم الذاتي المغربي.
ما نتعلمه من سقوط مادورو، ليس مجرد درس في السياسة الدولية، بل درس في فهم ديناميات النفوذ والاعتماد على التحالفات. الجبهة الانفصالية، التي عاشت عقوداً على دعم دولي متذبذب، تواجه الآن واقعا قاسيا، حلفاؤها يتهاوى، ومواردها السياسية تتقلص، ومقترح الحكم الذاتي أصبح الخيار الأكثر واقعية لإنهاء النزاع.
المغرب، من جانبه، أثبت مرة أخرى أن المراهنة على الواقعية والدبلوماسية المستندة إلى حقائق الأرض والمنطق الدولي، تتفوق على التحالفات العاطفية والشعارات الفارغة.
سقوط مادورو ليس مجرد نهاية حقبة في فنزويلا، بل بداية لحركة domino سياسية تتسارع نحو إنهاء أي دعم خارجي للجبهة الانفصالية، مؤكدا أن التاريخ لا يرحم من يقف ضد الثوابت الوطنية، وأن المشاريع الانفصالية مهما طال عمرها، ستنهار أمام صبر الدولة وتدبيرها الاستراتيجي.





تعليق واحد