شادي منصور
في صباح السابع عشر من نيسان/أبريل 1961، استيقظت كوبا على صوت حرب لم تخترها، لكنها كانت تعرف أنها آتية. على شواطئ خليج الخنازير، أو بلايا خيرون كما يسميها الكوبيون، نزلت قوة مسلحة مؤلفة من منفيين كوبيين مدعومين وممولين من الولايات المتحدة، في محاولة سريعة وحاسمة لإسقاط الثورة التي لم يمر على انتصارها سوى عامين.
لم تكن تلك العملية مجرد مغامرة عسكرية فاشلة، بل كانت لحظة كاشفة، تحوّل فيها ميزان القوة من حسابات الجيوش إلى منطق السياسة والتاريخ.
جاء الإنزال في سياق اعتقدت فيه واشنطن أن الثورة الكوبية ما زالت رخوة، وأنها لم تترسخ بعد في المجتمع.
الخطة بُنيت على افتراض بسيط وخطير في آن واحد: إنزال عسكري محدود، يتبعه انتفاضة داخلية، ثم تدخل دولي يمنح العملية غطاءً شرعياً. لكن ما حدث على الأرض كان النقيض الكامل لهذا التصور.
فمنذ الساعات الأولى، تبيّن أن عنصر المفاجأة قد فُقد، وأن القوات المهاجمة عالقة في مستنقع جغرافي صعب، بلا عمق شعبي ولا غطاء جوي كافٍ.
في المقابل، تحرك الجيش الثوري والميليشيات الشعبية بسرعة لافتة، مدفوعة بإحساس واضح بأن المعركة ليست معركة نظام، بل معركة وطن.
خلال ثلاثة أيام فقط، انتهت العملية بهزيمة كاملة. قُتل العشرات من المهاجمين، وأُسر المئات، وتحوّلت صورهم المقيّدة إلى مادة إعلامية عالمية كشفت حدود القوة الأميركية حين تُستخدم خارج سياقها السياسي.
لم تكن كوبا قد انتصرت عسكرياً فحسب، بل كانت قد انتصرت رمزياً وأخلاقياً. لقد أثبتت أن الثورة ليست مجموعة رجال في السلطة، بل شبكة ولاء اجتماعي وسياسي قادرة على التعبئة السريعة والدفاع عن نفسها.
لفهم لماذا وقعت معركة خليج الخنازير، لا بد من العودة إلى ما بعد 1959. فالثورة الكوبية لم تتوقف عند إسقاط نظام باتيستا، بل شرعت فوراً في تغيير عميق لبنية الاقتصاد والمجتمع. التأميمات، والإصلاح الزراعي، وتقليص النفوذ الأميركي، كلها خطوات حوّلت كوبا من دولة تابعة إلى كيان سياسي مستقل القرار.
بالنسبة للولايات المتحدة، لم يكن هذا مجرد انحراف سياسي في جزيرة صغيرة، بل تهديد مباشر لمنظومة الهيمنة في أميركا اللاتينية. الخوف الحقيقي لم يكن من كوبا ذاتها، بل من أن تتحول إلى نموذج يُحتذى به.
من هنا، جاءت فكرة الغزو بوصفها حلاً “نظيفاً”، من دون تدخل عسكري أميركي مباشر. إدارة الرئيس جون كينيدي ورثت الخطة من الإدارة التي سبقتها، لكنها حاولت تنفيذها بنصف قرار، دعم بلا إعلان، قوة بلا التزام، وغزو بلا مسؤولية سياسية واضحة. هذا التردد كان أحد أسباب الفشل الأساسية، إذ لا تُخاض الحروب الكبرى بعقلية العمليات السرية المحدودة.
غير أن السبب الأعمق للهزيمة كان سوء فهم طبيعة الثورة نفسها. فقد افترض المخططون أن النظام الثوري منفصل عن المجتمع، وأن الشعب سينقلب عليه عند أول اختبار.
لكن ما كشفته المعركة هو العكس تماماً، لقد كانت الثورة قد نجحت في بناء علاقة عضوية مع قطاعات واسعة من الشعب، خصوصاً الفلاحين والعمال، الذين رأوا في الدفاع عنها دفاعاً عن كرامتهم ومصالحهم المباشرة. حين يتحول الصراع إلى مسألة سيادة، يفقد السلاح المجرد تفوقه.
في قلب هذه اللحظة، برز دور القيادة الثورية، وعلى رأسها فيدل كاسترو، الذي تعامل مع المعركة بوصفها معركة مصير لا تقبل المساومة. حضوره الميداني، وسرعة اتخاذ القرار، وقدرته على تحويل الإنزال إلى رمز للعدوان الخارجي، كلها عناصر ساهمت في شحن المعركة بمعنى يتجاوز حدودها العسكرية.
لقد جرى تأطير خليج الخنازير منذ اللحظة الأولى بوصفها مواجهة بين الاستقلال والتبعية، لا بين قوتين عسكريتين متكافئتين.
ما بعد المعركة كان أهم من المعركة نفسها. فخليج الخنازير شكّلت نقطة اللاعودة في مسار الثورة الكوبية. بعدها، لم يعد ممكناً الحديث عن تسوية مع الولايات المتحدة أو عن حياد سياسي.
أعلن النظام الكوبي طابعه الاشتراكي، وتسارعت خطوات التحالف مع الاتحاد السوفياتي، ودخلت كوبا قلب الصراع الدولي في الحرب الباردة. لقد أدّت الهزيمة الأميركية إلى نتائج معاكسة تماماً لما أُريد لها، بدل خنق الثورة، جرى تحصينها أيديولوجياً وسياسياً.
أما العبرة الأوسع من خليج الخنازير، فهي أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع التاريخ. فالإمبراطوريات يمكن أن تُهزم حين تُخطئ في قراءة المجتمعات، وحين تتعامل مع السياسة بوصفها امتداداً تقنياً للسلاح.
لقد كشفت المعركة أن الشرعية الشعبية، حين تقترن بتنظيم وقدرة على التعبئة، يمكن أن تعوّض فارق القوة المادية.
لهذا، بقيت معركة خليج الخنازير حاضرة في الذاكرة السياسية العالمية، لا كمعركة قصيرة العمر، بل كنقطة تحوّل. إنها المعركة التي أكدت أن الدول الصغيرة ليست محكومة دائماً بدور الضحية، وأن التاريخ يمكن أن ينقلب في لحظة إذا ما توافرت الإرادة والوضوح في الهدف.
في بلايا خيرون، لم تدافع كوبا عن شاطئ، بل عن معنى استقلالها، ومن هناك بدأت تتحول من دولة إلى فكرة، ومن جزيرة إلى رمز يتجاوز حدود الجغرافيا.




