آراءسياسة
أخر الأخبار

تقريب السياسة.. من الإصلاح السياسي الواسع بالمغرب

في الحاجة إلى ترسيخ السلطة البرلمانية كرافعة للدولة المدنية

مقدمة

يشهد النظام الدولي تحولات عميقة ومتسارعة أعادت تشكيل مفاهيم السيادة، والقوة، والشرعية السياسية. فقد أضحت التكنولوجيا أداة مركزية في إدارة الموارد، والتحكم في المجتمعات، وحسم النزاعات العسكرية بدقة غير مسبوقة، في مقابل تراجع فعالية القانون الدولي وقدرته على حماية الدول الضعيفة.

في هذا السياق، باتت دول عديدة مهددة بفقدان استقلال قرارها، والتحول إلى كيانات وظيفية داخل منظومة الهيمنة العالمية.

ضمن هذا التحول، لم يعد الرهان بالنسبة لدول الجنوب يقتصر على التنمية الاقتصادية أو الاستقرار الأمني، بل أصبح رهانًا سياسيًا مؤسساتيًا يتصل بقدرة الدولة على بناء مناعة داخلية قوامها الثقة، والمشاركة، والنجاعة المؤسسية.

ويطرح هذا الواقع سؤال الإصلاح السياسي في المغرب بإلحاح جديد، يتجاوز منطق التكيف الظرفي إلى منطق إعادة البناء الاستراتيجي.

الإشكالية: هل يكفي التفوق الاستراتيجي لضمان الاستقرار السياسي؟

حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة تفوقًا استراتيجيًا وديبلوماسيًا لافتًا، يرتبط بوضوح الرؤية الملكية، ونجاعة الفعل الخارجي، وحسن تدبير الملفات السيادية.

غير أن هذا التفوق، على أهميته، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لهذا التفوق أن يستمر ويترسخ دون امتداد مؤسساتي فعلي داخل المجتمع؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن التفوق الاستراتيجي، إذا لم يُدعَّم بسلطة مدنية قوية، وفي مقدمتها البرلمان، يظل تفوقًا معلقًا، معرضًا للتآكل مع تغير السياقات والضغوط.

السياسة والإصلاح: من الشرعية الرمزية إلى الشرعية المؤسساتية

تؤكد التجربة السياسية المقارنة أن السياسة تفقد معناها متى انفصلت عن الإصلاح السياسي الحقيقي. فالإصلاح ليس خطابًا ولا وعودًا، بل عملية بنيوية تستهدف إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المشاركة والمساءلة والنجاعة.

في هذا الإطار، يشكل الإصلاح السياسي، إلى جانب الإصلاحين الاقتصادي والثقافي، ورشًا متكاملًا لا يقبل التجزئة. وهو ما يجعل من المؤسسات التمثيلية، خاصة البرلمان، محورًا أساسيًا في بناء الشرعية الحديثة، التي لم تعد تُؤسس فقط على التاريخ أو الرمز، بل على قدرة النظام السياسي على إنتاج حلول مقنعة لمطالب المجتمع.

البرلمان: من مؤسسة دستورية إلى ركيزة للسلطة المدنية

يُعد البرلمان في الفكر الديمقراطي جوهر ممارسة السلطة السياسية، ومؤشرًا على مدى نضج النظام السياسي. فبرلمان قوي وفاعل يعني وجود قنوات منظمة لتجميع المصالح، وتدبير الاختلاف، وتحويل الصراع الاجتماعي إلى تنافس سياسي مشروع.

غير أن إضعاف البرلمان، سواء عبر التقليص من أدواره أو وظيفته التمثيلية، يؤدي إلى نتائج خطيرة: اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وامتداد ضعف النجاعة والمسؤولية إلى السلطة التنفيذية، وهو ما يُضعف في النهاية الدولة نفسها، مهما بلغت قوة قيادتها المركزية.

الديمقراطية وتحولات النظام العالمي

أثبتت التجربة التاريخية أن الديمقراطية، رغم أزماتها، ظلت الإطار الأكثر قدرة على تدبير التعددية وضمان الاستقرار طويل الأمد. غير أن هذا الانتصار تزامن مع تحولات في منطق القوة العالمية، حيث تراجعت الإيديولوجيات الكبرى لصالح البراغماتية والمصلحة.

هذا التحول كشف هشاشة الأنظمة التي تبنت الديمقراطية شكلًا ورفضتها مضمونًا، خاصة في العالم العربي، حيث أدى تأجيل الإصلاح السياسي الحقيقي إلى انفجارات اجتماعية وسياسية كلفت الدول والمجتمعات أثمانًا باهظة.

دروس التجربة العربية: كلفة إضعاف المؤسسات

تُظهر التجربة العربية الحديثة أن التحكم في الوعي السياسي، وتوظيف الانتخابات لتجديد الشرعية الشكلية، لم يمنع الانهيار، بل ساهم في تسريعه. فغياب مؤسسات تمثيلية قوية جعل الدولة في مواجهة مباشرة مع المجتمع، دون وسائط قادرة على امتصاص التوتر وتحويله إلى إصلاح.

وقد أثبتت هذه التجارب أن الأمن، مهما بلغ من التطور، لا يمكن أن يعوض غياب الإصلاح السياسي، وأن كلفة التأجيل ترتفع بمرور الزمن.

الخصوصية المغربية: رصيد قابل للتعزيز أو التآكل

يمثل المسار المغربي استثناءً نسبيًا في السياق الإقليمي، بفضل تراكمات سياسية ودستورية بدأت منذ الاستقلال وتعززت في التسعينات، وتجسدت بجلاء في تجربة التناوب التوافقي، ثم في دينامية تنموية ميزت العهد الجديد بحيث وضعت البلاد على سكة الإصلاح التدريجي الشامل.

غير أن هذه الخصوصية ليست معطى نهائيًا، بل رصيدًا سياسيًا مشروطًا بالقدرة على تحصينه عبر تقوية المؤسسات، وفي مقدمتها البرلمان، بما يسمح بترجمة الرؤية الاستراتيجية العليا إلى سياسات عمومية ذات امتداد مجتمعي.

نحو إعادة التوازن بين القيادة الاستراتيجية والسلطة المدنية

تجادل هذه الورقة بأن التفوق الاستراتيجي والديبلوماسي، المرتبط دستوريًا بالمؤسسة الملكية، يحتاج إلى رافعة داخلية مدنية لضمان استمراريته.

وهذه الرافعة لا يمكن أن تكون سوى سلطة برلمانية قوية، قادرة على تأطير النقاش العمومي، ومساءلة السياسات العمومية، وإشراك المجتمع في صناعة القرار.

فامتداد الفعل الناجع من أعلى هرم السلطة إلى أسفله لا يتحقق تلقائيًا، بل يُبنى عبر مؤسسات وسيطة قوية وشرعية.

خاتمة

إن مستقبل الإصلاح السياسي في المغرب لا يتوقف على سلامة الرؤية الاستراتيجية فقط، بل على القدرة على تحويلها إلى بناء مؤسساتي متجذر داخل المجتمع. الدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار خارجيًا، بل بقدرتها على تنظيم قوتها داخليًا.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للسلطة البرلمانية لم تعد مطلبًا ديمقراطيًا كلاسيكيًا، بل شرطًا استراتيجيًا لحماية الدولة، وتحصين السيادة، وضمان استدامة التفوق المغربي في عالم شديد التقلب.

https://anbaaexpress.ma/nbijw

الحسين بوخرطة

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى