شادي منصور
حوالي 70 دقيقة وأكثر دام إذلالُ وتهديدُ ترامب للقادة الأوروبيين وللناتو ولأوروبا التي، كما صرّح، أصبح بالكاد يتعرفُ عليها نتيجةَ سياسةِ الهجرة الكارثية لحكّامها.
خلال 72 دقيقة استخدم أسلوب َ ترغيبِ وترهيبِ الدانمارك الحليف في حلف الناتو متوعّدا: “يمكنُكم أن تقولوا نعم، وسنقدّرُ ذلك. ويمكنُكم أن تقولوا لا، وسنتذكّر هذا!”.
أربع مرات خلطَ فيها رئيس أعظم دولة بين آيسلند وغرينلاند التي وصفها بقطعةِ جليد يتوقف عليها مصير الكوكب متجاهلًا وجود مواطنين سكان غرينلاند من الإنويت (الكالاليت) Les Inuits et les Kallalit وكأنّهم أشباح غير مرئيين: ما أطلبه هو قطعة جليد مقابل السلام العالمي!
خلال 72 دقيقة ادّعى فيها ترامب أنّ الولايات المتحدة أعادت بعد الحرب العالميةِ الثانيةِ غرينلاند إلى الدانمارك، وهذا محضُ هذيان وادعاء باطل وهلوسة تستدعي تدخلّ الأطباء، إذ لم تستحوذ أميركا قطّ على غرينلاند، بل خلال الحرب العالمية الثانية وُقِّع اتفاق يمنحُ الولاياتِ المتحدة حقَّ إقامةِ قواعدَ عسكرية دفاعية للحماية من ألمانيا النازية آنذاك، ولاحقًا عام ١٩٤٦ حاولت مجددًا أميركا شراءَ غرينلاند في ظلّ رفض الدانمارك القاطع.
خلال 72 دقيقة ضربَ خلالها ترامب علِمَ الحساب الفوري والرياضيات عرضَ الحائط والمحيط الأطلسي والمانش، حين أعلنَ بفخرٍ أقرب إلى نرجسية مفرطة أنه يملك 100٪ دَمًا إسكتلنديًا لجهة أمّه و100% دمًا ألمانيًا من جهة أبيه، فالمجموع 200٪ والعاقل يحسب!.
خلال 72 دقيقة أعلنَ ترامب وسط ذهول الحضور، أنّ الصين لا تملكُ طواحينَ هواء، في حين أنّ هذه الأخيرة تأتي على رأس الدول المنتجة للطاقة الريحيّة في العالم، وتستحوذُ على 45٪ من مشاريع الرياح في الكون، وهي أكبرُ سوق ولديها مزارعُ شاسعةٌ يمكن مشاهدتها من الجو، بل استطردَ وتهَكّمَ قائلا: يبيعونها للأغبياء الذين يشترونها!.
خلال ٧٢ دقيقة، وفي حضور صنّاع القرار هناك في المنتدى الاقتصادي العالمي في جبال الألب السويسرية سخر ترامب وسط ضحكات الحضور الخجولة ووسط اندهاشهم، من نَظّارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مُعلّقًا بتهكّم المُهرجين الهَزليين: “شاهدتُه بالأمس بتلك النظارات الشمسية الجميلة، ما الذي حدث بحق الجحيم!”.
خلال 72 دقيقة أعلنَ ترامب فيها أنّه لا يوجد تضخمٌ في الولايات المتحدة مع أنّ معدّله السنوي بلغ 2,4% ومن المتوقع أن يرتفعَ بسبب سياسات رفع الرسوم الجمركية.
حوالي 72 دقيقة من العبث والتهويل والاضطراب الذهني والتضليل والانفصال عن الواقع، حوالي 72دقيقة وأكثر من جنون العظمة على مرأى النُخبِ الحاكمةِ والحكومات ورجال الاقتصاد والأكاديميين وصمتهم الخانق.
حقًّا يحكمُنا مهرّجٌ مصابٌ بجنون العظمة وتضخّم الذات، فهل يَلقى مصيرَ بطل الأسطورة الإغريقية نرسيسوس الذي قتلَه افتتانُه بنفسه؟




