آراء
أخر الأخبار

بين القلم والقدم.. من يصوغ وعينا؟

يُستدعى التاريخ السياسي للأنظمة السلطوية التي استثمرت في اللعبة كواجهة ناعمة، أو كأداة لترويض الجماهير، مما يُعزز التصورات التي ترى في كرة القدم مجرد قناع يُخفي ما هو أعمق وأخطر

عبدالله فضول

في كثير من المناسبات الدولية، أو القارية، أو حتى الإقليمية، تعود كرة القدم إلى الواجهة لا بصفتها رياضة فحسب، بل كظاهرة ثقافية واجتماعية وسياسية معقدة.

ورغم شعبيتها الجارفة، إلا أنها تظل أكثر أنواع الرياضات عرضة للتشكيك في نواياها، بل تُتهم أحيانًا بأنها أداة لتخدير الشعوب، وإلهائهم عن قضاياهم المصيرية.

ويُقال إنها تسرق الوعي، وتُغذي انفعالات مؤقتة على حساب وعي نقدي دائم. طبعا، تُرفع الأعلام، وتُذرف الدموع، وتُطلق الهتافات، لكن خلف هذا المشهد الصاخب، يتساءل البعض: هل نحن أمام وعي جمعي حقيقي، أم أمام حالة شعورية تُعاد صناعتها في ملاعب مغطاة بالضجيج؟ وهل تحوّلت اللعبة إلى مسرح رمزي يُفرغ الطاقات لا ليحررها، بل ليعيد توجيهها بعيدًا عن الأسئلة الكبرى؟

ويُلاحظ أنه كلما استحوذت كرة القدم على اهتمام جماهيري واسع، أو تحوّلت إلى حدث يتجاوز حدود الرياضة ليغدو طقسًا جماعيًا عابرًا للطبقات والانتماءات، أو حين تتزامن انتصاراتها مع أزمات سياسية أو اقتصادية خانقة، يُعاد فتح ملف النوايا.

في مثل هذه اللحظات المتوترة يحضر النقد، ويعلو صوت المشككين الذين يرون في كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، بل منظومة رمزية تُعيد إنتاج الخضوع، وتُلهي عن الأسئلة الكبرى، وتُغذي انفعالات تُستهلك سريعًا دون أن تترك أثرًا في بنية الوعي أو في مسار التغيير.

لكن ما يُغفل كثيرًا هو أن هذا النقد، رغم وجاهته أحيانًا، يتجاهل أبعادًا أخرى لا تقل أهمية، وعلى رأسها البعد الاقتصادي الذي بات يشكّل عصبًا حيويًا في بنية اللعبة.

فحين تُختزل كرة القدم في كونها وسيلة للهروب أو التلهية، يتم التغاضي عن كونها صناعة ضخمة، تُحرّك رؤوس أموال هائلة، وتُعيد تشكيل خرائط الاستثمار، وتُنتج فرصًا لا تُحصى في مجالات الإعلام، والسياحة، والتسويق، والبنية التحتية.

كما يُغض الطرف عن تعقيد علاقتها بالمجتمعات، حيث لا يمكن فصلها عن السياقات النفسية والثقافية التي تمنحها هذا الزخم.

وفي المقابل، يُستدعى التاريخ السياسي للأنظمة السلطوية التي استثمرت في اللعبة كواجهة ناعمة، أو كأداة لترويض الجماهير، مما يُعزز التصورات التي ترى في كرة القدم مجرد قناع يُخفي ما هو أعمق وأخطر.

والذي يغفل عنه كثيرون أيضًا أن الولع بكرة القدم والافتتان بها لا يقتصران على الدول الفقيرة، التي يُتهم شعوبها بأنها (مخدّرة) باللعبة عن واقعها، بل إن الشغف ذاته – وربما بدرجات أعلى تنظيمًا وتأثيرًا – يتجلى بوضوح في الدول الغنية، الأوروبية والأمريكية على حد سواء.

هناك هل نقول، أنها تمارس كرة القدم كوسيلة للهروب من الأزمات، لاأعتقد، بل أراها كجزء من هوية ثقافية راسخة، ومجال استثماري ضخم، ومنصة للتعبير الجماعي عن الانتماء.

فكيف يمكن تفسير هذا الحضور الطاغي للعبة في مجتمعات لا تعاني من القهر السياسي أو الفقر المدقع؟

أليس في ذلك ما يُربك التصور الذي يحصر كرة القدم في خانة (التخدير الجمعي)؟ أم أن في الأمر ما هو أعمق من مجرد ترفيه أو تلهية، ما يستدعي قراءة أكثر تعقيدًا لهذه الظاهرة العابرة للحدود والطبقات؟

نعم، كما أن القلم يبني، فإن القدم أيضًا تبني. فالقلم يشيد المعاني، ويخطّ الأفكار، ويصوغ الوعي، لكنه ليس وحده من يترك أثرًا في العالم.

القدم، حين تركض خلف الكرة، لا تلهو فقط، بل تُعيد رسم خرائط الانتماء، وتُشيّد ذاكرة جماعية، وتُحرّك اقتصادًا، وتُلهب خيالًا جمعيًا لا يقل عمقًا عن أثر الكلمة. في الملاعب كما في الكتب، تُصاغ الحكايات، وتُولد الرموز، وتُبنى الجسور بين الشعوب.

فليست كل حركة جسدية هروبًا من الفكر، كما أن ليست كل كتابة تحررًا منه. بين القلم والقدم، مسار مزدوج لبناء الإنسان: أحدهما يُنير، والآخر يُحرّك، وكلاهما – حين يُوظف بوعي – يُسهم في تشييد المعنى.

https://anbaaexpress.ma/ayi1n

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى