آراءدولي
أخر الأخبار

بديل للأمم المتحدة أم سلطة فوق الدول؟ قراءة قانونية سياسية في مجلس سلام العالمي

المغرب داخل مجلس السلام: مكاسب محتملة وكلفة سياسية

منير لكماني – ألمانيا

يطرح مجلس السلام العالمي (Board of Peace) نفسه، منذ إطلاقه في دافوس بتاريخ 22 يناير 2026، كتجربة سياسية-قانونية غير مألوفة: منظمة دولية بميثاق مكتوب، لكن مركز ثقلها لا يقوم على جمعية عامة أو مجلس متعدد الرؤوس، بل على رئيس واحد يمسك بمفاتيح الدعوة للعضوية وتجديدها والاعتماد النهائي للقرارات.

فكرة المجلس: مهمة واسعة بصياغة قانونية

يعرف الميثاق مهمة المجلس بعبارات عامة تتجاوز غزة، إذ يركز على تعزيز الاستقرار، واستعادة حوكمة قانونية يمكن الاعتماد عليها، وتأمين سلام دائم في مناطق متضررة أو مهددة بالنزاع. ويمكن تلخيص الرؤية في ثلاثية: استقرار -> حكم فعال -> سلام طويل الأمد. هذه العمومية تفسر جزءا من الجدل: فالمجلس قدم إعلاميا كأداة مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب في غزة، لكنه صمم نصا ليكون قابلا للتمدد عالميا، بما يفتح باب التأويل السياسي وتضارب المصالح.

العضوية والتمويل: دعوة مقابل امتياز

قانونيا، يضع الميثاق بوابة عضوية غير اعتيادية: العضوية محصورة في الدول التي يدعوها الرئيس، وتبدأ عند إخطار الدولة بموافقتها على الالتزام بالميثاق. بهذا يبتعد المجلس عن منطق المنظمات متعددة الأطراف التي تتيح الانضمام وفق شروط موضوعية للجميع.

أما الأكثر إثارة للانتباه فهو البعد المالي: العضوية العادية ثلاث سنوات قابلة للتجديد، لكن يستثنى من ذلك من يدفع أكثر من مليار دولار نقدا خلال السنة الأولى، فيتحول التمويل من مساهمة إلى آلية ترسيخ نفوذ وامتياز سياسي طويل الأمد.

الحوكمة: أغلبية تصوت ورئيس يعتمد

ينص الميثاق على أن القرارات تتخذ بأغلبية الدول الحاضرة المصوتة، لكنها تبقى خاضعة لموافقة الرئيس. عمليا، تصبح الأغلبية أقرب إلى توصية، بينما الاعتماد النهائي في يد الرئيس، مع دور إضافي له عند التعادل. ويكتمل هذا البناء بمنح الرئيس سلطة إنشاء أو تعديل أو حل كيانات فرعية حسب ما يراه ضروريا لتحقيق المهمة، وبنص يجعل الرئيس المرجعية النهائية في تفسير الميثاق وتطبيقه، ما يضيق مساحة الرقابة المؤسسية لصالح سلطة تفسير فردية.

أعضاء القيادة التنفيذية ووضعيتهم الحالية

بحسب ما أوردته تقارير عند إعلان دافوس، يرأس دونالد ترامب المجلس بصفته رئيسا، بينما أسند الجانب التنفيذي لمجلس يضم شخصيات سياسية ومالية، من أبرزها: ماركو روبيو، جاريد كوشنر، ستيف ويتكوف، توني بلير، أجاي بانغا، مارك روان، إضافة إلى روبرت غابرييل. كما أشير إلى نيكولاي ملادينوف بصفة ممثل رفيع لغزة ضمن البنية المرتبطة بالملف.

شخصية قانونية دولية وقدرة تشغيلية

يمنح الميثاق المجلس وكياناته شخصية قانونية دولية وقدرات واسعة: إبرام عقود، امتلاك أصول، فتح حسابات بنكية، تلقي أموال عامة أو خاصة وصرفها، وتوظيف موظفين. وهذا يحول النص من إعلان سياسي إلى جهاز قادر على الفعل المالي والقانوني عبر الحدود.

الارتباط بالأمم المتحدة وشرط البقاء

سياسيا، يستند المجلس جزئيا إلى قرار مجلس الأمن 2803 (2025) الذي رحب بإنشائه ضمن ترتيبات انتقالية مرتبطة بغزة، لكن ذلك لم ينه الاعتراضات الأوروبية خشية تقويض نظام الأمم المتحدة أو خلق مسار مواز للشرعية الدولية. وفوق ذلك، يسمح الميثاق بحل المجلس حين يراه الرئيس مناسبا، أو تلقائيا في نهاية كل سنة فردية ما لم يجدد قبل موعد محدد، ما يربط بقاء المؤسسة بإرادة القيادة أكثر مما يربطه بتوازنات الأعضاء.

المغرب داخل مجلس السلام: مكاسب محتملة وكلفة سياسية

بإنضمام المغرب بصفة عضو مؤسس وتوقيع الميثاق عبر وزير الخارجية ناصر بوريطة ممثلا لجلالة الملك محمد السادس ، قد تكسب الرباط موقعا متقدما داخل قناة سياسية تقودها واشنطن في ملف غزة وما بعده. وقد يتيح ذلك هامشا للتأثير في ترتيبات الإستقرار والمساعدات وتمويل مشاريع في مناطق النزاع التي يتولاها المجلس، مع إمكانية تقديم خبرات لوجستية أو وساطة سياسية تعزز صورة المغرب كفاعل دبلوماسي إقليمي، فضلا عن تقوية العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

في المقابل، قد يتحمل المغرب كلفة داخلية بسبب حساسية الرأي العام تجاه أي ترتيبات تمس غزة، ومخاطرة سمعة خارجية إذا ترسخ الإنطباع بأن المجلس أداة نفوذ بسلطات مركزة، ما قد يسبب توترا مع بعض الشركاء المتحفظين. وتظل كلفة عدم اليقين قائمة لأن قواعد المجلس تمنح القيادة صلاحيات واسعة في الدعوة والتجديد والحل.

حدود التفويض ومعنى السيادة

يقدم المجلس وعدا بسرعة القرار ووضوح مركز القيادة، لكنه يثير سؤالا جوهريا: هل يمكن لمنظمة دولية أن تحافظ على شرعيتها واستدامتها إذا كانت قواعد العضوية والتفسير والحل مركزة في يد شخص واحد، ومع امتياز مالي لعضوية طويلة الأمد؟ هنا يتشكل جوهر الجدل بين فعالية التنفيذ ومعايير الحكم الرشيد الدولي.

https://anbaaexpress.ma/ntj47

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى