آراءمجتمع
أخر الأخبار

المواطن المغربي.. والشأن العام “تحليل”

الشأن العام يجمل مجموعة من الميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، فإن هذا المفهوم يخضع لمفهوم الصراع ولتقاطعات دوائر المصالح بين الفئات والطبقات والفاعلين في كل حقول المجتمع، ولكيفية عمليات اتخاذ القرارات من حيث المشاركة أو عدمها،..

عبدالمجيد بن شاوية 

لقد قيل ويقال لحد الآن إن الكائن الإنساني كائن اجتماعي وسياسي، وذلك عبر كل كتابات ومتون الفكر الإنساني عامة، وأن هناك اتصالا وعلاقات بينية تربط الإنسان بأخيه الإنسان داخل تجمع بشري ما، وعلى رقعة جغرافية ما، ووسط حدود هندسية ما، إضافة إلى روابط رمزية وثقافية ومعطيات تاريخية وحضارية تقوم بوظيفة “التلحيم” والربط بين عناصر الوحدة البشرية، مع اختلاف في الأفكار والتصورات والمشاعر وغيرها، والتي تنم عن المواقع والمراكز والمؤهلات السوسيو- ثقافية والسوسيو- سياسية وعلاقات القرب والبعد مع الوحدات الإثنية البشرية الأخرى، ومدى التأثير والتأثر سلبا وإيجابا .

كل هذا يجعل المواطن في بلد ما في اتصال مع أشياء سواء أكانت بالمفهوم المادي، أو بالمفهوم الرمزي، تدفع به إلى التفكير وإعادة التفكير، أو العمل على إنتاج أو إعادة إنتاج في علاقاته بمحيطه الخاص أو العام .

إذ نجد أنفسنا أمام خريطة تشتمل على كل ألوان وأطياف الإنتاج الإنساني، وأمام زخم من المعطيات لا حد ولا حصر لها، في كل مناحي حياة الإنسان والأوطان ثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا وفكريا، وأصبحت عوالم كل هذا في تداخل وعلاقات انصهار بدرجات متفاوتة في حياة أي مواطن في العالم، وخاصة مع ظواهر وإنتاجات السوق العالمية التكنولوجية، حيث لم يعد الكائن البشري يعيش بمعزل عن ظواهر وتجليات السلوك الإنساني وطرق تفكيره وإنتاجه وعيشه، مع استحضار الخصوصيات والفواصل، مما حتم على أي كان حسب بنياته الاجتماعية عامة، واختياراته ورؤاه للأشياء ولكل العوالم المحيطة به، أن ينصهر مع ما هو معطى أو يعيد إنتاجه، أو يأخذ منه بعدا ما أو مسافة ما، تبعا لردود فعله وقراءاته وتأويلاته لكل ما يتراءى له ويتجلى أمامه من صور وأنماط ومعطيات مادية ورمزية .

لذا فالأجدر بنا، نحن المغاربة، أن نتأمل شيئا ما علاقة “المواطن المغربي” بمفهوم الشأن العام، ونطرح التساؤلين الآتيين، هل تمكن المواطن المغربي من وعي وإدراك شأنه العام سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني؟ وإلى أي حد استطاع أن يمسك بخيوط علاقاته وصلاته بهذا المفهوم ومجالاته؟، فهذان السؤالان يأتيان في إطار السياقات والتفاعلات القائمة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وانطلاقا من المعطيات والسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية التي عرفها مفهوم الشأن العام عبر كل المراحل وإلى حد هذه اللحظة بالذات .

وعلى اعتبار أن الشأن العام يجمل مجموعة من الميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، فإن هذا المفهوم يخضع لمفهوم الصراع ولتقاطعات دوائر المصالح بين الفئات والطبقات والفاعلين في كل حقول المجتمع، ولكيفية عمليات اتخاذ القرارات من حيث المشاركة أو عدمها، ومعلوم أن عمليات تدبير الشأن العام تقترن أيما اقتران بمدى فاعلية المواطن في أي وطن كان، حسب مدى تنشئته السياسية والثقافية والتربوية، من جهة، ووعيه بالممارسة، من جهة أخرى، فالعوامل الثقافية والتربوية والسياسية والاجتماعية تكون المعين الذي يترجم الحضور الواعي أو غير الواعي، أو الغياب في عمليات التدبير لكل مجالات الشأن العام والمصلحة العامة لكل بلد على حدة .

ما حذا بنا أن نضع كلمتي “المواطن المغربي” بين مزدوجتين، هو أن ما يقوم عليه الإنسان المغربي الجماهيري من وضع هش من حيث ثقافته وبنياته السياسية والأيديولوجية، ومن حيث علاقاته بمفهوم الشأن العام ومجالاته، لا يسمح له بالقيام بالأدوار المنوطة به من جهة أولى، ويفقده “الفاعلية المواطنة” لديه، من جهة ثانية، إذ لا يعدو أن يكون في أحسن الأحوال مجرد أرقام في لعبة مختلة التوازنات ولا منطقية من حيث تركيبتها وفواعلها، بفعل غيابات عدة ونقائص لا حصر لها، والتي تشوب العقل السياسي العملي، وتحجب الوعي عن الممارسة والمشاركة في عمليات تدبير المصالح العليا ومجالات المنفعة العامة لديه، فالمتأمل في علاقة الشأن العام بالجماهير الشعبية المغربية يعثر على علامة فارقة، وهي أن هناك بونا شاسعا فيما بينهما، ولا يوجد جدل قائم بين مكوناتهما وبنياتهما السوسيو-سياسية والسوسيو-ثقافية والمجالية، فالمواطنة المنقوصة، وغياب المشاركة السياسية الفاعلة، والتغييب القسري والقهري لسواعد الأمة الفكرية والثقافية المتزنة والملتزمة، واحتكار المناصب الإدارية والسياسية والتمثيلية من قبل الماسكين بزمام الأمور، أو توريثها لـ “الخلف الصالح” في ظل الشبكة العنكبوتية للعائلات المخزنية والمتمسكة بكراسيها أيما تمسك، مع غياب الفعل السياسي الحزبي الجاد والوازن، وفقدان آليات التعبئة الحزبية والنقابية والجمعوية في صفوف الجماهير المغربية، وضمور الحس السياسي والأيديولوجي لديها، إن لم نقل غيابا تاما لهذا الحس في الغالبية العظمى منها، وكذا التضليل الأيديولوجي الرسمي لها وتزييف الحقائق وجعلها براقة..

مما نتج عنه فقدان بوصلة الاتجاه الصحيح، وغياب الرؤية والتصور العقلانيين لدى غالبيتها، وخضوعها الإرادي واللاإرادي لمقالب التخريجات السياسية والأيديولوجية المموهة بالمعطيات الكمية، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وبالرسائل والخطابات الإعلامية العاملة على قولبة الرأي العام بالتشفير الإعلامي لكل فعل رسمي وما شابهه من الرؤى والتصورات الدائرة في فلكها، واعتباره الوجه الوحيد والأوحد للممارسة الإعلامية الحامل لكل الحقائق، وجعلها وحدها المتعالية لا يشوبها نقص ولا تزييف ولا تحوير، بل صافية وخالصة ومنزهة عن النقد والتحليل، ومستوفية لكل الشروط الموضوعية لا دخل للذاتي فيها، مع التأكيد على الشروط الذاتية الفاعلة بشكل كبير في نسج العلاقات الواهية بين مفهوم الشأن العام والجماهير الشعبية، والمساهمة عبر هذه العقود في خلق وضع لا يتناسب مع ما هو موضوعي وتاريخي وحضاري لأمة بهذا الحجم، وذلك في شخص وضعيات مخجلة ومعدمة في أن واحد لشروط الوجود الكريم والفعال، والحياة الفاضلة، ولشروط استشرافات المستقبل الزاهر، وغير ذلك من نتائج الفعل السياسي الهادف إلى اتخاذ القرارات وتحقيق المطالب والأهداف السامية والنبيلة لعموم الشعب المغربي.

تلك جملة من الحقائق وغيرها، يعيش عليها “المواطن المغربي” في ارتباطاته الأساسية والعرضية بمفهوم الشأن العام، مادام هذا الأخير هو انصهار إرادات الخواص والجماعات معا، وكل ما يشكل المصالح العليا والمنفعة العامة التي تعم نتائجها بدون تمييز .

وأخيرا وليس بأخر، إن واقع الحياة العامة “للمواطن المغربي” لا يستقيم إلا إذا هم  هذا الأخير إلى طرح شأنه العام على طاولة النقاش العريض واستلهام آليات اشتغاله عليه وكذا الوعي بها وعيا كاملا وإعادة قراءته لحقائق واقعه بشكل ملموس وعلمي، مع قراءاته المقارنة والنقدية لكل ما هو معطى من جانب الأخر مهما كان انتماؤه ومذهبه، ومن ثم خلق فلسفة سياسية عاملة على تجاوز ما هو معرقل ومعيق لعزائمه وتطلعاته المأمولة مستقبلا، إلا أن هذا يبدو غير ممكن التحقق في المدى القريب بفعل عوامل أزمة ثقافية خانقة والجهل بحقائق الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأيديولوجي  .      

https://anbaaexpress.ma/tvchk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى