آراء
أخر الأخبار

العدالة الكندية.. في زمن الاستبداد العربي؟

ألا أنه يوم عظيم لكندا رائعا مشرقا.. وهو يوم أسود في التاريخ العربي الحديث..

ليس من فراغ أن تأخذ كندا البلد رقم واحد في التصنيف، ليس من الطبيعة الخلابة، ولا من التقدم العلمي، ولكن بسبب العدالة، فقد تقدم مجلس العموم الكندي باعتذار رسمي مع نهاية سبتمبر 2006م للسوري (ماهر عرار)، عن كل تهمة نسبت له عن علاقته بالإرهاب.

والرجل اعتقلته السلطات الأمريكية على الرغم من حمله الجنسية الكندية، واتهم بريئا أن له نسب بمنظمات إرهابية، وكان ذلك أثناء مروره ترانزيت إلى نيويورك في 26 سبتمبر 2002م، ثم أرسل مخفوراً من أمريكا بطيارة خاصة إلى ظلمات أرض البعث (سوريا بلده الأصلي قبل الهجرة الى كندا)، ولم يكن ليخرج إلى يوم البعث، مثل دخول النبي يونس بطن الحوت! حتى منّ الله على السوريين في الخلاص من الجحيم الأسدي ويعتبر يوم 8 ديسمبر من كل عام هو يوم الاستقلال الفعلي!

وقصة (ماهر عرار) عجيبة؛ أن يعتقل بيد الأمريكيين، ثم يرسل بالبريد المضمون، إلى أهله في بلد ثوري عربي، كي يحقق معه، وهم يعلمون علم اليقين، نوع المصير الذي ينتظره؟

ولأن النظام الثوري البعثي السوري (نزيه) لا يتعامل مع أمريكا بشكل مباشر، وإنما من تحت الطاولة، فقد تم إدخاله من بوابة خلفية عربية..

وفي موقع (ماهر عرار) على الانترنت، نتابع كرونولوجيا الأحداث في أيام نحسات، منها عشرة أشهر وعشرة أيام في الانفرادية، التي هي أشبه بالمدفن بدون كفن، وأنا أعرفها تماما؛ لأن البعث أكرمني بها، ولا أتمناها للجلادين الذين كنت أراهم يضربون أبشار الناس بأذناب الخيل..

في الحقيقة قرأت مذهولا باللغة الإنجليزية قصته يوما بيوم، وكيف أن الأمريكيين لم يضربوه كفا واحدا في مدى 12 يوماً من التحقيق، بل سمحوا للقنصل الكندي بالوصول إليه مع محامية، وكيف أنه بمجرد وصوله إلى بلاد العروبة (الأردن)، تحول جلده إلى (دربكة)، على يد رجال الأمن الذين كانت وظيفتهم تسليم البضاعة فقط للنظام الثوري (Delivery)؟

وقفت متأملا مذهولا محبطاً متألما؛ واحترت في التفسير؟؟ ولكن في فهم القاريء الكفاية عن هذا التعاون والتواطؤ المعلن الخفي؟؟؟ فالوطن لم يعد وطنا، والطواغيت الصغار يأخذون شرعيتهم من الطواغيت الأعظم..

والمهم في هذه الواقعة أن عذابات (عرار) أصبحت راحة وخلاصا لنا الكنديين من أصول عربية، أن لا يتهم بريء، وهي تذكر بقصتين من التاريخ؛ الأولى من مجتمع المدينة الأول، والثانية التي عرضتها قناة ديسكفري، عن (جزيرة الشيطان) على سواحل غويانا الفرنسية، حيث اخترع (نابليون الثالث) جهنماً على وجه الأرض، التهم عشرات الآلاف من الفرنسيين، ولم تقفل حتى مثلتها هوليوود في فيلم، بعد أن استطاع الفرار أحد المسجونين، ليصعق العالم وبيده رسوم تصور سقر وما أدراك ماسقر لاتبقي ولا تذر بواحة للبشر عليها تسعة عشر؟

وفيها اعتقل (دريفوس) الضابط اليهودي، بتهمة الخيانة، وبقي هناك سنوات يرسف في الأغلال، حتى تدخل الأحرار في موضوعه، وكتب (إيميل زولا) الكاتب الفرنسي مقالة صاعقة بعنوان: (إني أتهم JE ACCUSE)، وقاد هذا إلى حملة شعبية، أدت إلى إطلاق سراحه، وإعادة الاعتبار له. ودفع ثمنها سنة حبس!

وأما قصة اليهودي (زيد بن السمين) فهي ملحمة قرآنية في معنى العدالة، لكل الناس في المجتمع الإسلامي، أن لا يتهم بريء قط بدون بينة ودليل. وأن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته، كما حصل مع تصرف (كندا) حيال ماهر عرار المشبوه بعد أحداث سبتمبر.

الذي دمره أهله وأعادت كندا له الاعتبار، حتى يصيح في أول كلمة عند دخوله الأرض الكندية: إنني في وطني أشكر من ساعد في خلاصي من القوم الظالمين، ولم يشكر الحكومة الكندية بكلمة لشعوره بتقصيرها، مع أن القنصل الكندي زاره في محبسه الأسدي عشر مرات؟.

تقول الرواية أن رجلا من الأنصار (بشير بن أبيرق) سرق درع رجلا من الأنصار (قتادة بن النعمان)، وحين تفوح الرائحة يقوم المدعو بشير برمي الدرع في بيت يهودي، ثم يأت إلى النبي يطلب تبرئة ساحته علنا، بعد أن انتشر القيل والقال عنه، فليس من ثبت على جريمته، ويكون النبي له (خصيما) مدافعا عنه، وهو ما فعله النبي ص، واكتملت الصورة، فالآن يلقي القبض على اليهودي البغيض (كذا) وتبرأ ساحة الأنصاري؟؟

ولكن القرآن يفعل عكس ذلك تماما، فيعاتب النبي عتابا شديدا، ويبريء ساحة اليهودي، ويتهم الأنصاري السارق، فالمجتمع الاسلامي إنساني لحمته وسداه العدل، وليس شوفونيا عنصريا!

وهكذا تتنزل عشرة آيات تتلى إلى يوم القيامة، عن براءة اليهودي (زيد بن السمين)، لتكون درسا لكل مجتمع ينهض من غفوة العنصرية والإقليمية والطائفية والمذهبية إلى أفق الإنسانية كما فعلت كندا مع عرار.

وهو سر تدفق المهاجرين إليها، بمن فيهم الأصوليين، الذين يقسمون على العهد الكندي في قسم الجنسية، وهم يلعنون الكفار..

ألا أنه يوم عظيم لكندا رائعا مشرقا..وهو يوم أسود في التاريخ العربي الحديث.

وأنا فهمت كلمة (مراغماً) من آية الهجرة على نحو جديد، فالهجرة فيها سعة، (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة) وهو أمر حصلناه، وأنا قفز راتبي بين بلدي الذي نفضت يدي منه، 15 ضعفا، حين دخلت بلاد الجرمان.

ولكن (المراغم) هو الذي فعله (عرار)؛ فهو سوف يرغم أنوف خصومه، واحدا بعد الآخر، ليس فقط رئيس الشرطة الكندية (جوليانو زاكارديللي GIULLIANO ZACCARDELLI) الذي اعتذر له عن الكابوس، الذي شاركت فيه الشرطة الملكية الكندية (RCMP = ROYAL CANADIAN MOUNTED POLICE )، حين أعطت للأمن الأمريكي ذلك الانطباع السيئ عنه، ليتخذوا أفظع قرار لاحقا، في تسليمه لبقايا الجيوب الستالينية.

ولعله كان قرارا مليئا بالخير، فقد خرج عرار طاهرا من السجن، صقلته المحن، وهذبته من شوائب العنف إلى الأبد.. أو هكذا نأمل..

مع ذلك تابعت زوجته المصير حتى حررته ومعها تعويض بمبلغ 12 مليون دولار عن الإساءة. فكم سيدفع بشار البراميلي الذي هرب إلى القوزاق الروس بعد أن قتل مليونين؟

قال ياسر العظمة الكوميدي بعد أن أخذ دور حفّار القبور، وجاء رجل يريد دفن أباه: انظر أنا سلطان هذه المملكة، لا أحد يعترض؟ لا أحد يفتح فمه، لا مظاهرات ولا اعتراضات ولا منشورات ؟؟ أليست مملكة رائعة؟ ألا ترى أنه مثال الشعب المطيع المريح..

https://anbaaexpress.ma/znrrd

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى