عبدالله فضّول
كثير من المتأسلمين يرفضون الاحتفال بالسنة الجديدة، لا لأنهم درسوا المسألة فقهياً أو فهموا سياقها التاريخي، بل لأنهم اعتادوا اتخاذ الموقف المتشدد بوصفه دليلاً على صفاء العقيدة؛ فيعيبون على من يفرح أو يهنئ أو يشارك الناس بهجتهم، كأن البهجة نفسها صارت رجساً من عمل الشيطان! بل إن درجة إيمانهم المقلوب حين ترتفع، لا تُثمر رحمة أو تسامحاً، بل تكفيراً وتبديعاً واستعلاءً على الناس، حتى ليكادون يوزعون صكوك النجاة بأيديهم.
والحجة التي يرددونها أن مشاركتنا للمسيحيين في احتفالهم تعني أننا نؤمن باعتقادهم ونقرّ بعقيدتهم، وكأن التهنئة بالعام الجديد تعني الإيمان بالتثليث، أو أن تبادل الأمنيات بالسلام يعني خيانة العقيدة.
هؤلاء لا يرون في الدين إلا جداراً عازلاً، لا جسراً للتواصل؛ يختزلونه في طقوس صارمة، ويغفلون عن روحه التي جاءت رحمة للعالمين، ويظنون أن كل انفتاح على الآخر هو تمييع وتفريط.
في حين أننا نحن المسلمين نؤمن أن عيسى عليه السلام نبي من أولي العزم، نحبه ونجله كما أمرنا الله، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان يقدره ويشهد له بالنبوة والكرامة؛ فليس في ديننا ما يدعونا إلى التنكر لعيسى، بل إن الإيمان به جزء من عقيدتنا، ومن أنكره فقد أنكر ركناً من أركان الإيمان.
أما احتفال المسيحيين به، فهم أحرار في معتقدهم، كما نحن أحرار في تصورنا عنه؛ لا نفرض عليهم فهمنا، ولا نقبل أن يُفرض علينا فهمهم، لكن هذا لا يمنع من التعايش ولا من تبادل الأمنيات الطيبة في المناسبات التي تمس مشاعرهم، ما دمنا لا نقرّ بعقيدتهم ولا نذوب فيها.
فالفصل بين الإيمان والتعايش لا يعني التنازل عن العقيدة، بل يعني احترام إنسانية الآخر، والتهنئة بالسنة الجديدة هي تعبير عن مشترك إنساني ورغبة في السلام والتواصل، ومن يظن أن التهاني تهدد الإيمان فليُراجع تصوره عن الإيمان أولاً.
وعندما تستمع إلى بعض هؤلاء الدعاة، تجدهم يصرخون ويتوعدون الناس بالويل والثبور، وكأن التهنئة جريمة عقدية تستوجب التوبة؛ يشحنون الناس ضد مظاهر الفرح، ويصورون كل ابتسامة في ليلة رأس السنة على أنها خيانة لله ورسوله.
والغريب أن كثيراً منهم يعيشون في مجتمعات لا تكاد تجد فيها مسيحيًا واحدًا، فالمسألة مجرد تبادل للفرح بين أبناء الوطن الواحد، نبارك لأنفسنا ونستبشر ببداية عام جديد نرجو فيه الخير والرحمة.
يا للعجب! كيف تحوّلت التهنئة إلى تهمة، والفرح إلى بدعة، والتسامح إلى تمييع؟ إن هذا الخطاب الصارخ لا يعكس غيرة على الدين بقدر ما يكشف عن ضيق في الأفق، وعجز عن التمييز بين الثوابت والمتغيرات، وبين العقيدة ومظاهر الحياة المشتركة.
فالدين الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن يُختزل في صراخ موسمي ضد مظاهر الفرح، ولا في معارك وهمية ضد تقويم زمني لا يحمل في ذاته أي مضمون عقدي.





صدقت أستاذ عبدالله التهنئة هي سلوك إنساني حضاري مشترك بين بني البشر و لا يختزل فيما يذهب إليه البعض انه مظهر من مظاهر الشرك شكرا لك على التنبيه و التوضيح الفصيح