هناك (دورة) تحكم العلاقة بين (الفكرة) قبل أن تصبح (مؤسسة)، وحسب (شبنجلر) صاحب كتاب (أفول الغرب)، فإن الأفكار هي الحياة، والدول والمؤسسات شجر جف نسغها، تنتظر الدفن.
وليس أصح من هذه الفكرة في النبي والمؤسسة الدينية، ولعل (الكنيسة) هي أصدق الأمثلة على ذلك. وحين أعلن (نيتشه) موت الإله فهو عنى الكنيسة، وليس من رجال مؤمنين صادقين مثل المفكرين، ونيتشه كان يتوهج يقينا وإيمانا.
ونيتشه ألماني نشأ في أرض العبقريات، والهولوكوست، والنازية، ومؤسسة (بي آتي) للإباحية الجنسية، وأرض الفلاسفة، وصيدلية العالم، وأرغن التاريخ، وفخر صناعة السيارات؛ المرسديس والبورشه وبي أم في، التي عشت فيها ردحا طويلا، وأدين لهم باختصاصي الطبي المتقدم، وهكذا فمن ألمانيا يخرج (هابرماز) و(كانط) و(البابا الجديد) و(نيتشه) في تناقضات حدية، تماما في أي بيئة تعشق التطرف والمثالية.
وحين خرج (المسيح) على قومه كان يواجه بيئة دينية مغلقة تعشق الطقوس، وتعبد الكهنوت، فلفت النظر إلى بناء الروح، وقال: جلس الكتبة والفريسيون على كرسي موسى، فكل شيء قالوا لكم افعلوه فافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تفعلوا، فهم يحبون المتكأ الأول في المجالس والولائم، وأن يناديهم الناس سيدي سيدي، ويعرضون عصائبهم وعمائمهم، ولعلة يطيلون صلواتهم..
ولهم الويل يوم الدينونة
وقصة (المسيح) تتكرر مع كل حركة إصلاحية ونبوة، ويفاجئنا عالم الاجتماع العراقي (الوردي) بسؤال محرج، عن قصة النبي (ص) في الطائف، حينما تجمع عليه الصبيان والسفهاء يضربونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه الشريفتين، ولم يعطف عليه سوى رجل أجنبي من الموصل الحالية، ذكره بقصة النبي يونس من نينوى، وسؤال (الوردي) أننا لو كنا على قيد الحياة في تلك الأيام، وشاهدنا المعمعة، فأين سيكون موقعنا؟؟؟ هل سنكون مع الضاربين الذين هم كل الشهود إلا اثنين؟؟؟ أما كنا سننضم للموصلي وغلامه زيد الذي يتقي الحجارة بيديه؟؟
إنه سؤال مزلزل قد يصلح للطرح.. ولكن الإجابة فيه جدا خطيرة!!
وقصة الأفكار والمؤسسات تصلح نموذجا للتطبيق على حزب البعث والحزب الشيوعي، وهو أمر تعرضت له في كتابي (النقد الذاتي) الذي حرم الإخوان المسلمون على أتباعهم قراءته، ولكنه ترك أثره في أقصى المغرب؛ فاستفادت منه حركة (الإصلاح والتجديد) وطلقت العنف ثلاثا بغير عودة، فنجت من المذبحة الشامية على يد الرفاق البعثيين.
وهكذا ففي البدء الحماس والإخلاص والاندفاع، حتى إذا خلص لهم الأمر، واستوت على الجودي ماكينة الحكم، بدأوا في تصفية بعضهم بعضا، ولعل صراع الصحابة، كما يقرر توينبي، يلحقه هذا القانون الخفي في طرف منه، ولكنه موضوع حساس، والأكيد أن الخلافة الراشدة طارت في وقتهم، أمام أعين الجيل الأول بعد ثلاثين سنة من الهجرة.
والبعثيون بدأوا شبابا مخلصين، وانتهوا مجرمين قتلة، دفنوا عشرات الآلاف من القتلى، في المعتقلات والصحاري والجبال، ليستووا على عرش السلطة، وجماجم الضحايا.
أما (الشيوعيون) فقد بدأوا في غاية النزاهة والطهارة، ليقتل ستالين 800 ألفاً من أوكرانيا لوحدها، ويطهر الجيش والمجتمع من خيرة العناصر؛ فتصبح روسيا جاهزة للسقوط في يد الوحش النازي.
والكنيسة بدأت بالتضحية وعصر الشهداء، لتنتهي بمؤسسة مرعبة اسمها (محاكم التفتيش) تفتش عن الضمير وما بطن، وهي محاكم استمرت خمس قرون ونيف، دفعت للمحارق حسب رأي (فولتير) مليون امرأة لحفلة شواء، على مرأى من جمهور يتلذذ بالنار، بتهمة السحر، فالقصة مرعبة، نحن نرويها، مقابل من عاشها بالرعب والاختفاء، ليتبرأ منها البابا السابق، ويفتح المغاليق السرية لـ 4000 ملف سري، من تاريخ المؤسسة الدينية، في عملية نقد ذاتي.
وهو ما يجعلنا نفهم لماذا أطلق (فولتير) صرخته في وجه الكنيسة: اسحقوا العار!!. إلى درجة أن (لاس كاساس) من المبشرين في أمريكا الجديدة، يخجل من أفعال الكونكستادورس، كما جاء في كتاب (اكتشاف أمريكا) لأستاذ السوربون (تودوروف)، الذين أبادوا ثمانين مليونا من الأنام، وعندما أرادوا قتل ملك الانكا (هواتبا هوالبا) خيروه بين الحرق، والشنق مع التعميد؛ فاختار المسكين الثانية، بعد أن خانوا عهودهم، وملأ لهم صالونا من الذهب الخالص واثنين من الفضة ؟
وحينما كتبت أنا عن (خرافة الدولة الإسلامية) تعجب الكثيرون وهاجموا، والكثير اعتبر نفسه في مكان النبي؛ من موحدين وعبيدين وفاطميين وعلويين وخمينيين، ولم يكن من ظلم مؤسس في التاريخ كما فعلت المؤسسات الدينية، لأنها تتكلم باسم الله، وما لأحد بالله من طاقة.
وتاريخ اضطهاد الكلمة عجيب، فجيوردانو برونو أحرق من أجل آرائه، وبمناسبة الذكرى 400 في فبراير 2001م احتشد جمهور غاضب، في مكان الحرق في روما تجاه الكنيسة، وهو يلوح بمشعل حرية الفكر، ومع أن الكنيسة أعادت الاعتبار لغاليلو، إلا أنها لم تفعل ذلك لبرونو.
وأنا كنت أناقش القوم في ألمانيا، عن ألوهية المسيح بعد أن قرأت الإنجيل جيدا، ولم نكن لنعثر على فقرة واحدة في الأناجيل الأربعة تقول ذلك، وهو يحكي قصة أثر المؤسسات في خلق الأساطير.
وعندما نرى احتشاد الملايين للبابا، لترداد خرافة غير موجودة في الأناجيل الأربعة، أن المسيح هو الله الذي خلق السموات السبع ورب العرش العظيم، تصيبنا الخيبة في العقل الإنساني.
وأذكر من مدينة (زيلب) الألمانية حيث بدأت رحلة اختصاصي الطبيبة، والممرضة (أنجيليكا) وهي تقول لي بالألمانية (أيش جلاوبه Ich glaube ) أي أنني أعتقد، أنها ليست مثل (إيش فيسن Ich Wissen ) أي أنني أعلم؛ فالاعتقاد لا علاقة له بالعقل.
ومشكلة العقائد كما يقول الوردي، أنها لا علاقة لها بالعقل؛ فالعقل حسب الوردي ليست مهمته البحث عن الحقيقة، بل هو عضو للبقاء، مثل السيقان للنعامة، والترس للسلحفاة، والناب للأفعى.
وهو أمر صعب ابتلاعه، ولكن مثل قصة البابا تدلل على هذه الحقيقة. أو هكذا نزعم جميعا أننا أصحاب الحقيقة..
