افتتحت مكتبة الإسكندرية، أمس الأربعاء فعاليات “الملتقى الثقافي المصري المغربي”، الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية ومركز دراسات الحضارة الإسلامية التابعان لقطاع البحث الأكاديمي بالمكتبة، بشراكة مع المنتدى المتوسطي للشباب بمدينة أصيلة، وذلك بقاعة الوفود بمركز مؤتمرات مكتبة الإسكندرية، ويقام على مدار ثلاثة أيام.
افتتح الملتقى الأستاذ الدكتور أحمد زايد؛ مدير مكتبة الإسكندرية، والسفير الدكتور محمد آيت وعلي؛ سفير المملكة المغربية لدى جمهورية مصر العربية برسالة مسجلة، والسفير أحمد نهاد عبد اللطيف، سفير مصر لدي المملكة المغربية “عن بعد عبر تطبيق زووم”، والأستاذ توفيق لزاري، نائب الأمين العام، مؤسسة منتدى أصيلة، والدكتور ياسين ايصبويا، رئيس المنتدى المتوسطي للشباب، المملكة المغربية، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والباحثين والمثقفين من مصر والمغرب، وقدم الجلسة الدكتور محمود عزت؛ مدير مركز الدراسات الاستراتيجية؛ قطاع البحث الأكاديمي، مكتبة الإسكندرية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، على أهمية هذا الحدث، الذي يجسد شراكة ثقافية وثيقة من خلال التعاون مع “المنتدى المتوسطي للشباب” و”منتدى أصيلة”، مشددًا على أن المكتبة تُعد صرحاً شُيد ليكون منبراً للعقل وملتقى للحضارات، وإنها منذ إعادة إحيائها حملت رسالة واضحة لتكون منصة عالمية للحوار ومركزاً للإشعاع الثقافي.
وأضاف أن مدينة أصيلة المغربية ليست مجرد مدينة جميلة بل هي نموذج عربي ودولي فريد لكيفية تحول الثقافة إلى مشروع تنموي وأسلوب حياة، وقد أثبت منتدى أصيلة أن الاستثمار في الفكر والفن والشباب هو استثمار في المستقبل.
مشيرًا إلى الدور التاريخي للراحل “محمد بن عيسى” وزير الخارجية الأسبق ومؤسس منتدى أصيلة وعضو سابق في مجلس أمناء مكتبة الإسكندرية، والذي آمن بالثقافة كمشروع حضاري متكامل وأداة لبناء الإنسان والحوار.
وقال: “اننا نعيش لحظة تاريخية بتحديات جسيمة، مما يجعل الحوار الثقافي “ضرورة استراتيجية” وليس ترفاً فكرياً”، مضيفًا أن المكتبة تؤمن بدور الشباب كشركاء حقيقيين في صناعة المستقبل وان الثقافة اليوم لم تعد حكراً على الأدب والفنون فقط، بل أصبحت فضاءً يتقاطع مع الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والدبلوماسية.
وفي ختام كلمته أكد على أن مكتبة الإسكندرية ستظل منفتحة على كل مبادرة جادة لتعزيز الحوار الثقافي، وشريكاً فاعلاً في دعم الثقافة كقوة ناعمة وأداة للتقارب.
أعقب ذلك كلمه مسجله للسفير محمد آيت وعلي؛ سفير المملكة المغربية لدى جمهورية مصر العربية، عبر فيها عن أسفه لعدم تمكنه من الحضور شخصياً بسبب مسؤوليات أخرى، وقام بتكريم الراحل محمد بن عيسى، وزير الخارجية الأسبق ومؤسس منتدى أصيلة، واصفاً إياه بأنه كرّس حياته لبناء جسور الحوار بين الثقافات.
وأشار إلى أن “بن عيسى” حول مدينة أصيلة إلى عاصمة ثقافية عالمية، مؤكدًا على ضرورة إكمال مسيرته ورسالته، ومسلطًا الضوء على مسيرة التعاون الثلاثي (الثقافي والفكري والاقتصادي) بين المغرب ومصر التي رعاها قادة البلدين، وأن هذا الملتقى الذي يجمع بين مكتبة الإسكندرية ومنتدى أصيلة والمنتدى المتوسطي للشباب، هو تجسيد عملي لهذا التعاون.

وأكد السفير المغربي، إن العمل الثقافي الأهلي كما في منتدى أصيلة على مدى أربعة عقود يمكن أن يكون رافداً أساسياً للدبلوماسية الثقافية، موضحًا أن موضوع الملتقى يدور حول كيفية جعل المؤسسات الرسمية والمبادرات الأهلية تعمل معاً لخدمة الثقافة وهو يمثل فرصة لتبادل الخبرات وفتح آفاق جديدة في العمل الثقافي المشترك بين مصر والمغرب، ومضيفًا أن الثقافة تعتبر استثماراً في مستقبل الأجيال ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية وليس ترفاً.
فيما أشاد السفير أحمد نهاد عبد اللطيف، سفير مصر لدي المملكة المغربية، خلال مداخلته عبر تطبيق “زووم” بالدور الكبير الذي تقوم به مكتبة الإسكندرية على الساحات الثقافية المصرية والعربية والدولية، موجهًا الشكر والتقدير لمجتمع “أصيلة” الشبابي المتوسطي، ومشيرًا إلى مشاركته الشخصية في موسم أصيلة الثقافي في سبتمبر الماضي ولمس حيوية تلك المنصة الثقافية.
وأشاد بدور الوزير الراحل محمد بن عيسى، مؤسس منتدى أصيلة، الذي كانت له علاقات خاصة بمصر ومكتبة الإسكندرية، مؤكدًا على أهمية البعد الثقافي في العلاقات بين مصر والمغرب، وحرص قيادي البلدين على تطوير التعاون في كافة المجالات.
وقال ان مصر والمغرب يؤمنان بدور الثقافة كأداة للتنمية، موضحًا أن الحراك الثقافي الكبير في المغرب منذ توليه منصبه بما في ذلك تعدد المهرجانات والمؤسسات الثقافية وحركة المتاحف، مما يخلق فرصًا للتعاون مع الساحة الثقافية المصرية، وأن تركيز الملتقى على دور الشباب يعتبر إسهامًا كبيرًا في تعزيز العلاقات.
وأشاد بالتبادل الشبابي بين البلدين، مشيرًا إلى برنامج تبادل بين وزارتي الشباب، حيث زارت مجموعة كبيرة من الشباب المصري المغرب ومجموعة كبيرة من الشباب المغربي مصر العام الماضي، ومسلطًا الضوء على الجهود الدبلوماسية الثقافية مثل زيارة وزير الثقافة المصري للمغرب مرتين العام الماضي وحضوره معرض الرباط الدولي للكتاب.
وتحدث عن المركز الثقافي المصري في الرباط وعن الجهود المبذولة هناك، كما قام بإعطاء نبذه عن بعض الفعاليات التي قامت بها السفارة في المغرب، مثل إعادة بث افتتاح المتحف المصري الكبير في الرباط، وعرض فيلم عن أم كلثوم، وحفل موسيقي لذكري فريد الأطرش، وأعلن عن افتتاح معرض لفن الخيامية قريبًا.

وفي ختام كلمته طرح “نهاد” ثلاث مجالات مقترحة للتركيز عليها في التعاون المستقبلي بين البلدين: “الذكاء الاصطناعي والبيئة الرقمية وتأثيرهما على العمل الثقافي، وتبادل التجارب بين الشباب في هذا المجال”، و”تسهيل وتنمية النشاط والتبادل الثقافي المباشر بين المبدعين المصريين والمغاربة لخلق مشاريع مشتركة”، و”الحرف والصناعات التقليدية كتراث، وتبادل الخبرات في مجال حماية هذا التراث وإعادة إنتاجه بشكل مبتكر من قبل الشباب المبدعين”.
وتحدث الأستاذ توفيق لزاري؛ نائب الأمين العام، مؤسسة أصيلة، عن الدور البناء لسفارتي البلدين في تيسير انعقاد المنتدى ودعم الدبلوماسية الثقافية وتكلم عن مدينة أصيلة والمشهورة بموسمها الثقافي الدولي الذي أسهم في ترسيخ مكانة أصيلة كمنصة ثقافية دولية وإشعاع الثقافة المغربية والعربية والإفريقية، موضحًا الدور الذي قامت به مؤسسة أصيله كمنظمة غير حكومية وكيف جعلت من الحوار بين الثقافات والعناية بالشباب جوهر عملها تحت شعار “الثقافة من أجل التنمية”.
وأكد على قوة العلاقة والتعاون المثمر بين مكتبة الإسكندرية ومؤسسة أصيلة، والذي يتجسد في المشاركات المتبادلة في الفعاليات، مضيفًا أن هذا النموذج من الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمبادرات المدنية ناجح وقادر على إرساء سياسات ثقافية مستدامة، ومختتمًا بأن هذا الجهد المشترك يهدف إلى توفير بيئة ثقافية محفزة تلائم تطلعات الشباب والأطفال وتستشرف المستقبل.
أكد رئيس المنتدى المتوسطي للشباب بالمغرب السيد ياسين إيصبويا، في كلمته الافتتاحية للملتقى الثقافي المصري المغربي المنعقد بمكتبة الإسكندرية في إطار المسار الثقافي للحوار والذاكرة، أن الثقافة تشكّل اليوم رافعة أساسية لبناء الثقة بين الشعوب، وجسرا إنسانيا يتجاوز الجغرافيا والسياسة، وفضاء حيا لإنتاج المعنى المشترك.
وأبرز أن العلاقات المغربية-المصرية تمثل نموذجا تاريخيا للتلاقي الحضاري والتفاعل الثقافي الخلاق، مشددًا على أن شعار الملتقى “العمل الثقافي بين الرسمي والأهلي: جسور بين مكتبة الإسكندرية وأصيلة” يعكس قناعة راسخة بأهمية التكامل بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني في تفعيل الدبلوماسية الثقافية الناعمة وإشراك النخب الفكرية والشبابية في بناء علاقات دولية أكثر قربا من الإنسان وقيمه.
وأشار إلى أن هذا المسار الثقافي ينسجم مع الرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس التي جعلت من الثقافة رافعة للتنمية الشاملة ومن الشباب فاعلا محوريا في بناء المستقبل، مبرزا الدينامية التي يعرفها المغرب في مجالات التنمية الثقافية، والصناعات الإبداعية، والبنيات التحتية، إلى جانب التطور التشريعي الداعم للشباب والثقافة والفنون.
وأكد المتدخل أن الاستثمار الحقيقي اليوم هو الاستثمار في الشباب، عبر التمكين المعرفي وتشجيع المبادرة والابتكار، خاصة في ظل التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، داعيا إلى ترسيخ قيم المواطنة الرقمية، وتعزيز المشاركة الواعية في الفضاءات الرقمية، ونشر المعرفة والإبداع، مع العمل على نبذ خطاب الكراهية وتكريس لغة الحوار والتسامح.
وفي ختام كلمته، شدد على أن الملتقى يشكل منصة للحوار وتبادل الخبرات وإنتاج المعرفة، داعيا إلى ترسيخ قناعة جماعية بأن الثقافة قادرة، حين نؤمن بها ونستثمر فيها، على صناعة الجسور وترميم الذاكرة وصياغة مستقبل أكثر إنسانية قائم على الاحترام والتفاهم والتعاون داخل الفضاء المتوسطي والمنطقة العربية، مع استحضار روح الراحل محمد بن عيسى تقديرا لإسهاماته في تطوير العمل الثقافي المشترك.
وأدار الجلسة الافتتاحية الدكتور محمود عزت وقال ان الملتقي يهدف إلى فتح نقاش فكري حول دور الثقافة في بناء الجسور واستحضار الذاكرة المشتركة ويشكل فضاء للحوار بين دبلوماسيين وأكاديميين وباحثين وشباب من البلدين، كما يناقش قضايا الثقافة، الدبلوماسية، القوى الناعمة، الهوية، التنوع، ودور الشباب، متمنيًا مواصلة وتعزيز مسار التعاون بين المؤسستين والاستفادة من خبراتهما.




