أفريقياإقتصادمجتمع
أخر الأخبار

ارتفاع أسعار الوقود.. يشعل احتجاجات النقل في الجزائر ويعيد طرح أزمة الاقتصاد الريعي

هذا التطور كشف مجددًا هشاشة النموذج الاقتصادي القائم، الذي ما يزال يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط والغاز، في ظل إخفاق متواصل في بناء بدائل إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمات..

دخلت الجزائر مع مطلع العام الجديد مرحلة توتر اجتماعي متصاعد، عقب الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات التي فجّرت موجة احتجاجات واسعة في قطاع النقل، أدّت إلى شلل شبه تام في الحركة عبر عدد كبير من الولايات.

هذا التطور كشف مجددًا هشاشة النموذج الاقتصادي القائم، الذي ما يزال يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط والغاز، في ظل إخفاق متواصل في بناء بدائل إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمات.

وسجّل الإضراب نسبة استجابة مرتفعة تجاوزت 90 في المئة في المدن الكبرى، ما عطّل مصالح ملايين الموظفين والتلاميذ والطلبة، وعجزت شبكات النقل العمومي عن تعويض النقص الحاد في الخدمات.

وزاد من حدة الاحتقان الطابع المفاجئ لقرار رفع الأسعار، الذي فُهم اجتماعيًا على أنه إجراء يفتقر إلى الشفافية، ويُنظر إليه باعتباره وسيلة لسد العجز المالي عبر تحميل المواطنين كلفة الاختلالات الهيكلية.

ولم تقتصر تداعيات القرار على قطاع النقل، بل امتدت إلى مجمل الدورة الاقتصادية، مع ارتفاع متوقع في تكاليف نقل السلع والمواد الغذائية، ما ينذر بعودة الضغوط التضخمية.

وتزامن ذلك مع ندرة حادة في قطع الغيار وارتفاع أسعارها، وهو ما وضع مهنيي النقل أمام معادلة صعبة بين تكاليف تشغيل متزايدة وتعريفات نقل ظلت مجمدة منذ سنوات، الأمر الذي عمّق أزمة القطاع.

في المقابل، تواجه الحكومة انتقادات متزايدة بسبب عجزها عن تحويل الريع النفطي إلى قاعدة تنموية مستدامة. ورغم الخطاب الرسمي المتكرر حول “الإقلاع الاقتصادي”، لا يزال الاقتصاد الجزائري رهينًا لتقلبات أسواق الطاقة، حيث تُوجَّه المداخيل أساسًا لتمويل الاستيراد والإنفاق التسييري، بدل الاستثمار في الصناعة أو الزراعة أو السياحة كقطاعات قادرة على خلق الثروة وفرص العمل.

وتعتمد السلطة، في مواجهة الغضب الاجتماعي، مقاربة تقوم على الزيادات في الأجور والمنح الاجتماعية، مثل منحة البطالة ورفع أجور الوظيفة العمومية.

غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن هذه الإجراءات تظل محدودة الأثر، إذ سرعان ما تبتلعها موجات التضخم وارتفاع أسعار المواد المدعومة، لتتحول إلى أدوات ظرفية لتهدئة الشارع دون معالجة جذور الأزمة.

ولا تزال الدولة الفاعل الرئيسي في الاقتصاد، في ظل مساهمة ضعيفة للقطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، ما يبقي المالية العمومية تحت رحمة تقلبات أسعار النفط العالمية.

كما ساهم استمرار سياسة الدعم الواسع، مقرونًا بزيادات متكررة في الأجور دون تحسن في الإنتاجية، في استنزاف آليات التوازن المالي، وعلى رأسها صندوق ضبط الإيرادات الذي شكّل لسنوات صمام أمان للاقتصاد الوطني.

في الوقت ذاته، يشتكي الفاعلون الاقتصاديون من بيئة استثمارية غير محفزة، تتسم بتشديد القوانين الزجرية بدل تبسيط المساطر وتوفير بنية تحتية ملائمة. ويُستشهد في هذا السياق بتعديلات قانون المرور الأخيرة، التي فرضت عقوبات قاسية دون أن ترافقها إصلاحات حقيقية في شروط العمل أو تحديث شبكة النقل.

وسط هذا المشهد، يعيش المواطن الجزائري مفارقة لافتة؛ ففي بلد يُعد من كبار منتجي الطاقة، يواجه السكان صعوبات يومية في التنقل وارتفاعًا متواصلًا في كلفة المعيشة، بينما تُصرف موارد ضخمة في نفقات تسييرية لا تُترجم إلى تحسين ملموس في مستوى العيش.

وبينما تقلّل أحزاب الموالاة من حجم الأزمة وتصف الإجراءات الحكومية بـ“الطفيفة”، يرى الشارع أن الفجوة تتسع بين الخطاب الرسمي وواقع المعاناة، ما ينذر باستمرار التوتر الاجتماعي ما لم تُطرح إصلاحات عميقة تعيد الثقة وتكسر حلقة الاقتصاد الريعي.

https://anbaaexpress.ma/y0mpm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى