تقاريرسياسة
أخر الأخبار

احتجاجات المعيشة تعود إلى إيران.. ضغط اجتماعي داخلي وتشابك أمني إقليمي

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حاول امتصاص الغضب بالدعوة إلى الإصغاء للمطالب “المشروعة”، دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة..

تشهد إيران منذ أيام تصاعدًا ملحوظًا في تحركات احتجاجية ذات طابع اجتماعي، بدأت من قلب سوق الهواتف المحمولة في طهران احتجاجًا على الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، قبل أن تمتد إلى جامعات ومدن عدة، في مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية وتعقّد السياقين السياسي والأمني المحيطين بها.

السلطات الإيرانية تعاملت مع هذه التطورات بخطاب مزدوج. فمن جهة، أقرّ المدعي العام محمد كاظم موحدي آزاد بشرعية الاحتجاجات المرتبطة بتكاليف المعيشة، واعتبرها تعبيرًا مفهومًا عن ضغوط اجتماعية متراكمة. ومن جهة أخرى، حذّر من أي انزلاق نحو التخريب أو توظيف الحراك لأجندات خارجية، متوعدًا بتدخل قضائي حازم في حال المساس بما وصفه بالنظام العام.

على الأرض، شارك طلاب جامعيون وتجار ومواطنون في تحركات متفرقة، رُفعت خلالها شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية والكرامة الاقتصادية. وأكدت وسائل إعلام محلية توقيف عدد من الطلبة لفترة وجيزة قبل الإفراج عنهم، في محاولة واضحة لاحتواء الوضع دون توسيع دائرة التصعيد.

غير أن البعد الخارجي سرعان ما دخل على خط الأحداث، بعد تصريح غير مسبوق لجهاز “الموساد” الإسرائيلي باللغة الفارسية، دعا فيه المتظاهرين إلى مواصلة تحركاتهم، ملمحًا إلى دعم يتجاوز المساندة الخطابية. هذا التصريح، الذي بثته أيضًا إذاعة الجيش الإسرائيلي، فهم في طهران على أنه مؤشر على انخراط استخباراتي مباشر، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل، والتهديدات الأميركية المتكررة عقب لقاء جمع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حاول امتصاص الغضب بالدعوة إلى الإصغاء للمطالب “المشروعة”، دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. إلا أن المشهد الأمني بقي ضبابيًا، بعد إعلان تعرض مبنى حكومي في مدينة فسا جنوب البلاد لهجوم محدود ألحق أضرارًا ببوابته، دون تبنٍّ رسمي أو ربط مباشر بالاحتجاجات، ما زاد من منسوب القلق والترقب.

في موازاة ذلك، قررت السلطات إغلاق المدارس والمصارف ومؤسسات عمومية بدعوى موجة البرد القارس وترشيد الطاقة، مع تعليق الدراسة الحضورية في عدد من الجامعات. ورغم التبرير الرسمي، أثار توقيت هذه الإجراءات تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت تهدف أيضًا إلى الحد من زخم الاحتجاجات.

اقتصاديًا، تتغذى هذه التحركات على أزمة ممتدة منذ سنوات، عمّقتها العقوبات الغربية وتدهور العملة الوطنية. فالريال الإيراني فقد أكثر من ثلث قيمته خلال عام واحد، فيما تجاوز التضخم مستويات مقلقة، ما جعل تأمين الحاجيات الأساسية تحديًا يوميًا لشرائح واسعة من السكان. وقد لخّص أحد المحتجين الوضع بالقول إن “المعركة اليوم هي من أجل لقمة العيش”.

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان موجات احتجاج سابقة، أبرزها أحداث 2019 المرتبطة برفع أسعار الوقود، واحتجاجات 2022 عقب وفاة مهسا أميني، والتي انتهت آنذاك بمواجهات دامية وقمع واسع. كما أن تزامن الاحتقان الداخلي مع تصاعد التوتر مع إسرائيل يعيد طرح سيناريوهات عدم الاستقرار، خصوصًا في ظل ذاكرة حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت بين الطرفين في يونيو 2025.

في محاولة لطمأنة الداخل، أعلنت الحكومة تعيين عبد الناصر همّتي محافظًا جديدًا للبنك المركزي، مع وعود بجعل مكافحة التضخم أولوية المرحلة المقبلة. غير أن مراقبين يرون أن هذه الخطوة تبقى محدودة الأثر، ما لم تُرفق بإصلاحات اقتصادية عميقة وتخفيف القبضة السياسية والأمنية.

خلاصة المشهد تشير إلى أن إيران تقف مجددًا أمام معادلة حساسةغضب اجتماعي متصاعد، تدخلات خارجية علنية، واستجابة رسمية تحاول الموازنة بين الاحتواء والردع، في وقت تبدو فيه كلفة التأجيل أعلى من أي وقت مضى.

https://anbaaexpress.ma/82tnj

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى