أن يلمح أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم باحتمال مشاركة الحزب في ردّ أي حرب تتعرض لها إيران، فإن الأمر من عاديات مهمات الحزب والغرض الأول لوجوده.
ولئن يلمّح الرجل، ولا يعلن، أن الأمر محتمل، فذلك التزام حرفي بتوجيهات القيادة في الجمهورية الإسلامية في إيران. يلتقي تحرّك قاسم، في هذا التوقيت، مع ما صدر عن فصائل ولائية في العراق، وما قد يصدر عن أي جهات ما زالت طهران تستطلع تحريكها في المنطقة.
أتي رسالة الحزب وزعيمه من خارج سياق السجال المحلي اللبناني بشأن السلاح غير الشرعي والموقف من تصريحات أطلقها مؤخراً رئيس الجمهورية جوزيف عون.
أعربت منابر الحزب حيالها عن موقف يتراوح ما بين الامتعاض ونفيه، فيما تولت حناجر “البيئة” شنّ حملات يختلط فيها السوقي بالسياسي ضد مقام الرئاسة. استدعى الأمر تدخل “الأجهزة” لتنفيذ استدعاءات استماع وتحقيق.
وفيما سُجل لرئيس مجلس النواب نبيه بري قيامه بزيارة الرئيس في توقيت ذلك الجدل، وعُدَّ ذلك تضامناً، فإن وعود قاسم وتلميحاته وما تستبطنه من وعيد، تأتي من سياق آخر تفرضه جلبة “أرمادا” ترامب في مياه المنطقة والساعات الساخنة التي تفصلنا عن ضربات محتملة ضد إيران.
لم يتدخل جيش الجمهورية الإسلامية وحرسها الثوري لردّ الضربات الوجودية التي دمرت البنى التحتية العسكرية والبشرية للحزب واغتالت زعيمه.
عمل المرشد على تسريب محضر جلسة جمعته مع مسؤول حماس الراحل إسماعيل هنية، يستنكر فيه عملية “طوفان الأقصى” مؤكداً للمطلعين على التسريب، الذي نشرته “رويترز”، نأي إيران بالنفس عن أي تورط.
لم تتحرك إيران لنجدة الحوثيين في اليمن، ولا ردّت النار عن الفصائل التابعة في العراق. وحين جاءت ساعة نظام بشار الأسد في سوريا، أدارت طهران الظهر سريعاً مغادرة منصاعة للقدر الجديد.
من الطبيعي أن تتصرف إيران الدولة وفق قواعد المصالح. ومن المنطقي أن لا تخرج إيران للدفاع عن أذرع في المنطقة أجادت صناعتها في أيام الرخاء لاستخدامها في الأيام السوداء.
ولئن تطوّعت “الثورة” في إيران للدفاع عن “المستضعفين” من نير “الاستكبار”، فمنطق الأمور يقود إلى قيام المستضعفين بردّ الجميل وردّ الأقدار التي تهدد وجودية “الثورة” وديمومتها.
وفيما يقوم الشيخ في لبنان بتلاوة واجباته المقررة منذ ولادة الحزب، فإن البيئة تُعامَل بصفتها “تحصيل حاصل” وهامشاً يُضحى به على مذبح سلامة الجمهورية ورخاء حُكمها.
يعلن الشيخ للعالم أن لبنان هو جزء محتمل من حرب تطال إيران. ليس مهماً رأي لبنان وشعبه ومكوناته، بشيعته وبيئة الحزب بالذات. لا يهم ما تقرره حكومة البلد ورئيسه، ولا مكان هنا لنقاش في البرلمان بشأن أمر عمليات، من أجل “حرب إسناد” جديدة، يصدر عن غرفة عمليات، تقع على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات.
يقول رجل الحزب كلمته ويمشي. تضع “أرمادا” الولايات المتحدة لبنان على خارطة بنك الأهداف المحتملة، ما يَعِدُ البلد بمزيد من الفتك الخبيث والدمار الذي لا ينتهي.
وسيكون على قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل الذي يستعد لزيارة، تعثرت قبل ذلك، إلى واشنطن أن يُطلع أصحاب الأرمادا على أنه والجيش الذي يقوده، كما لبنان ومؤسساته، متبرئون من إثم رسائل إيرانية يحملها ساعي بريد يطلقها من بيروت.
قد لا يأخذ العاقلون كلمات الشيخ على محمل الجد. يتلقى الحزب منذ الإعلان الرسمي عن انتهاء “إسناده” ضربات تطال المخفي من سلاحه، والظاهر في قواه البشرية من أرفع مستويات القيادة الميدانية إلى أقل رتب العناصر المقاتلة. لا يقوى الحزب على الردّ ولا يملك إمكانات ذلك.
وفيما لا يعرف منتسبو الحزب وجاهة توعّد زعيمهم بما ثبتت استحالته، فإن إيران لا تطلب من الشيخ في لبنان إلا النطق بالكلمات التي باتت تخرج متلعثمة مربكة وكأنها آخر الكلام.
