آراءثقافة
أخر الأخبار

محمد العنبري.. حين تلامس الأغنية أوتار القلب في زمن الضجيج

محمد أبو خليل

في زمن فني تحكمه السرعة، وتتحكم فيه منطق “الضربة” و”الترند”، يبدو محمد العنبري كأنه آتٍ من زمن آخر، أو بالأحرى كأنه اختار بإرادته أن يسير عكس التيار.

لا ضجيج إعلامي يرافقه، ولا حضور استعراضي يسبقه، ومع ذلك ظل اسمه حاضرًا في الذاكرة الفنية المغربية، بهدوء يشبه صوته، وبثبات يشبه قناعاته.

محمد العنبري ليس فنان صدفة، ولا ابن موجة عابرة. هو من جيل تشكّل وعيه الموسيقي في مرحلة كان فيها الغناء فعلَ معنى قبل أن يكون سلعة، وكانت الأغنية تُبنى على الكلمة واللحن والأداء، لا على عدد المشاهدات. منذ بداياته، اختار أن يراهن على الأغنية التي تعيش طويلًا، لا تلك التي تلمع سريعًا ثم تختفي.

في مساره الفني، ظل العنبري وفيًّا لخطه الخاص. قدّم أغانٍ عاطفية تنحاز للإحساس لا للابتذال، وأغانٍ اجتماعية تلامس هموم الإنسان البسيط دون شعارات، وأعمالًا وطنية تُغنّى بصدق بعيدًا عن الخطاب الجاهز.

لم يكن حضوره كثيفًا في المهرجانات الكبرى أو البرامج التلفزيونية، لكنه كان حاضرًا بقوة في فضاء آخر أقل صخبًا وأكثر عمقًا: فضاء المستمع الحقيقي.

ما يميّز تجربة محمد العنبري هو هذا الوعي المبكر بأن الفنان لا يُقاس فقط بانتشاره، بل بأثره. لذلك لم يسعَ إلى مجاراة الموضات الموسيقية السائدة، ولم يبدّل جلده الفني بحثًا عن القبول السريع. صوته ظل كما هو: دافئًا، متزنًا، خاليًا من الادعاء. وأغانيه ظلّت تُشبهه: بسيطة في شكلها، عميقة في إحساسها.

وسط هذا المسار الهادئ، تبرز أغنية «حبيبتي يا أمي» كأحد أكثر أعماله خصوصية وتأثيرًا. ليست مجرد أغنية عن الأم، بل لحظة صدق نادرة في مشهد غنائي اعتاد المبالغة.

هنا، لا يتحدث محمد العنبري بصفته فنانًا، بل بصفته ابنًا. لا يخاطب جمهورًا واسعًا، بل يخاطب أمًا واحدة، حقيقية، لها اسم وملامح وذكريات.

في هذه الأغنية، لا نجد الأم بوصفها رمزًا مجرّدًا أو صورة مثالية معلّقة في السماء، بل كائنًا إنسانيًا من لحم ودم: يتعب، يسهر، يقلق، ويمنح بلا حساب. العنبري لا يقف في مقام الواعظ، ولا في مقام الشاعر المتعالي، بل في مقام الابن الذي يعترف متأخرًا، ويتذكّر بصوت خفيض، ويبوح دون ادّعاء.

قوة «حبيبتي يا أمي» لا تأتي من الكلمات وحدها، بل من الطريقة التي قيلت بها. اللحن بسيط، غير متكلّف، يترك للمساحة العاطفية أن تتنفّس. الأداء متزن، لا استعراض فيه ولا ضغط على الصوت. حتى الصمت بين الجمل يبدو جزءًا من المعنى، كأن الأغنية تعرف متى تتكلم ومتى تصمت.

لهذا السبب، لامست الأغنية قلوب كثيرين، خصوصًا أولئك الذين فقدوا أمهاتهم، أو الذين لم يجدوا بعد الشجاعة ليقولوا ما يجب أن يُقال. هي أغنية لا تُسمع في الخلفية، بل تُصغي إليها الذاكرة. أغنية تعيد المستمع إلى ذاته، لا إلى قائمة التشغيل.

من خلال هذا العمل، يؤكد محمد العنبري أنه فنان لا يلهث خلف اللحظة، بل يصنع أثرًا بطيئًا وعميقًا. مكانته الفنية لا تُقاس بعدد الأغاني الرائجة، بل بقدرته على أن يكون حاضرًا في اللحظات الخاصة للناس: في الحنين، في الفقد، في الصمت.

محمد العنبري قد لا يكون فنانًا جماهيريًا بالمعنى التجاري، لكنه بلا شك فنان إنساني بالمعنى الأصدق. ومساره الفني، بكل ما فيه من هدوء واختيار واعٍ، يذكّرنا بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ كي يُسمع، بل إلى صدق كي يبقى.

أما «حبيبتي يا أمي»، فهي ليست مجرد أغنية، بل شهادة وجدانية، تقول لنا إن أجمل ما في الفن هو قدرته على أن يعيدنا، ولو للحظات، إلى أصلنا الأول:

إلى حضن الأم..

حيث يبدأ كل شيء،

وحيث يبقى المعنى.

https://anbaaexpress.ma/iaey9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى