فيما كان يُعد العدّة لمهاجمة إيران، ويحمّل الرئيس الأوكراني مسؤولية عدم التوصل الى حلّ ينهي حرب أوكرانيا، ويعلن خططا للاستيلاء عل جزيرة غرينلاند بالقوة أو اللين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيل “مجلس السلم” الذي وعدت به خطته لإنهاء حرب غزّة، أعلن أيضا تشكيل لجنة فلسطينية من التكنوقراط، وعيّن اللواء جاسبر جيفرز (القائد السابق للجنة الميكانيزم الخاصة بلبنان) قائدا لقوة الاستقرار الدولية في غزة.
بدا ترامب الذي عيّن نفسه رئيسا لمجلس السلم مشرفا على مصير غزّة وما وراء غزّة. وعد في مضمون النقاط العشرين لخطته بمسار موثوق لإنشاء دولة فلسطينية. ظهر هذا الهدف في ذيل الخطة كبند لرفع العتب يقنع عواصم في المنطقة بأن واشنطن بددت تلعثما في قبولها مبدأ قيام تلك الدولة التي تشترطها السعودية مثالا قبل أي نقاش بإقامة علاقات مع إسرائيل وفق الطبعة “الإبراهيمية” العزيزة على قلب الرئيس الاميركي.
من يتفقد لائحة أعضاء “مجلس السلم” سيجد خلطة دولية إقليمية ذات ثقل أميركي وازن من الرئيس وأصدقائه وعائلته ومستشاريه. وسواء في وجود “الصهر” جاريد كوشنر و “الصديق” ستيف ويتكوف والوزير ماركو روبيو، فإن الترامبية تخترق المجلس من داخل كتلة متعددة الجنسيات عربية (قطر، مصر، الإمارات) وإقليمية (تركيا) وإسرائيلية وغربية.
ورغم “عصبة الأمم” التي يجمعها ترامب داخل مجلسه، ورغم ما تمتلكه الدول الممثلة من باع في ملف القضية الفلسطينية، فإن المراقب يستنتج أن رجل البيت الأبيض قدّم تصميما لهيكل عام من دون التورّط في تفاصيله وفحوى مهامه وطبيعة أدواته.
تخرج خطة ترامب في ظل انكفاء إيران وضمور أذرعها وتلاشي محورها. تدخل المنطقة بشكل غير مسبوق في مرحلة تضع فيها واشنطن القضية الفلسطينية على طاولة البحث.
وعلى رغم من انخراط الولايات المتحدة سابقا في جهود جدية لإبرام اتفاقات سلم إسرائيلي مع مصر في كامب دايفيد (1979)، ومع الأردن في وادي عربة (1994)، ومع منظمة التحرير في أوسلو (1993) وغيرها، ناهيك من الاتفاقات الإبراهيمية (2020) مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، غير أنها المرة الأولى التي تتولى فيها واشنطن برئيسها وإدارتها الرعاية الكاملة لأكبر مشروع لبناء سلم “لم تعرفه المنطقة منذ 3 آلاف عام” (حسب ما يحلو لترامب ترداده)، يبدأ بإنهاء الحرب في غزّة، وإعادة إعمارها، وتعبيد السبيل نحو الدولة الفلسطينية المنشوده.
لن تجد أي خبير في الشأن الفلسطيني أو حتى أي قيادي في رام الله وغزة والشتات يعرف خريطة الطريق الممكن أن تؤدي يوما ما إلى “الدولة” والسلام.
ولن تجد أي نصّ في الولايات المتحدة يمكن أن يكون مرجعا للاستدلال على الورشة التي باشرها الرئيس الأميركي والتي يبدو انها تستند على نفوذه لممارسة الضغوط لحمايتها والانتقال بها إلى المرحلة الثانية من خطة دخلت مرحلتها الأولى حيّز التنفيد في 10 تشرين الأول 2025.
كرهت إسرائيل دائما التلويح بأي مؤتمر دولي لحلّ أزمة الشرق الأوسط. لم تعترف بأي متدخل في شؤون الصراع إلا بالولايات المتحدة حصريا. بدا أن ترامب أكثر رؤوساء أميركا تأييدا ودعما لإسرائيل، وفق وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، هو نفسه الذي أتى بالمؤتمر الدولي إلى حضن إسرائيل. يكفي استعراض البلدان الممثلة في “مجلسه” لاستنتاج مشهد ذلك المؤتمر الذي لطالما مقتت اسرائيل سيرته واحتمالاته.
لم تحب البلدان العربية أن يتولى رئيس الحكومة البريطانية الأسبق توني بلير المنصب التنسيقي الأول للمجلس. لا يملك الرجل السمعة الحسنة، وله مواقف غير محايدة لا توفّر له شروط تولي تلك المهمة. لا يهم.
يسهل على ترامب ازاحته ليأتي بالمبعوث الأممي السابق البلغاري الجنسية نيكولاي ملادينوف بديلا، على أن يحتفظ بلير بعضوية داخل المجلس. وعلى هذا تظهر مواهب ترامب في سرعة تدوير الزوايا واستخدام أقصى درجات المرونة للخروج بهيكل المتاح والممكن والمقبول.
يستنكر نتنياهو تشكيل “اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزّة” دون استشارته. لا تحب السلطة الفلسطينية ذلك “الاختراع” الذي أوجده ترامب برئاسة المهندس الغزي علي شعث، وتشتبه في تلك الآلية أن تُفرض على شرعية الهيكل القيادي الفلسطيني. ولم ترتح رام الله لوجوه تلك اللجنة التي قالت مصادر إعلامية فلسطينية إن كثيراً من أعضائها مقربون من “التيار الإصلاحي الديمقراطي”، الذي يقوده القيادي الفلسطيني محمد دحلان.
لا تحب حركة حماس ذلك الكيان المؤلف من 15 شخصية من الكفاءات التقنية المستقلة الذي ستضطر لتسليمه يوماً زمام إدارة القطاع والتخلي له عن سلطة احتكرتهما بالبأس والقوة والحديد والنار منذ طرد السلطة الفلسطينية من القطاع عام 2007.
وقد يتسرّب من تلك اللجنة نموذج ادارة وحكم قد ينذر بتأسيس بدائل حكم قد تقصي الواجهات التي حكمت رام الله وغزة.
يهمل ترامب مشروعه لإنشاء ريفييرا في غزّة لصالح بديل يَعدُ بسلم وإعمار ومسار لحل شامل. لم تخرج خطته البديلة إلا بعد عناد دول المنطقة في رفض خطط التهجير الجماعي ورفض سلم تفرضه اللحظة الإسرائيلية ما بعد”طوفان الأقصى”.
ولم يخرج ذلك المشروع إلا من ضمن سياق أميركي يدعمه “يهود الإدارة” لم يستطع نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة إلا مجاراتها بانتظار ظروف مواتية تجهضها. ورغم الطابع المسرحي لقيام هياكل خطة ترامب، فإن عتمة الكواليس تحجب ما يمكن الركون إليها لبناء استشراف وازن.
في ولايته الأولى قال ترامب إنه لم يفهم لماذا لا يمكن حلّ الصراع في فلسطين فهو كأي مشكلة يمكن الاهتداء إلى مفاتيح حلّ لها. فشلت “صفقة القرن” التي وعد بها حينها.
لكنه في ولايته الحالية يعيد تمرير شيء من تلك الصفقة، داخل شيء يشبه مؤتمر دولي، بصناعة من “خارج الصندوق” لإنتاج شي قد يشبه الدولة الفلسطينية التي لا تقبل بها إسرائيل، وليست طبعا تلك التي حلم الفلسطينيون بقيامها.
تلقى العاهل الأردني والرئيسين المصري والتركي دعوات للانضمام إلى “مجلس” ما زال قيد التشكل. شيء ما ما زال غامضا في تشكيله المجلس ومهام الدول، لا سيما مصر وتركيا وقطر المناط بها حلّ إشكالية السلاح في غزّة.
لا شي جلي في مسألة تشكّل قوة الاستقرار والدول التي سترسل بقوات للمساهمة بها. وربما أحد أبرز الأسئلة يدور حول موقف السعودية التي تبدو غائبة عن المجلس، ومراقبة بهدوء لورشة ما زال ترامب يرتجلها ويتمهل في إزالة اللبس عنها.




