تقاريرسياسة
أخر الأخبار

«شائعات وحيل قذرة».. تحقيق استقصائي فرنسي يكشف الحرب السرية بين فرنسا والجزائر

التحقيق وثّق ما وصفه بـ «الضربات تحت الحزام»، مبرزًا ضغوطًا ومضايقات مارستها أجهزة الاستخبارات الجزائرية ضد نشطاء ومعارضين فوق التراب الفرنسي..

يبدو أن التوتر بين الجزائر وفرنسا لم يعد يقتصر على الخلافات الدبلوماسية التقليدية، بل دخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا، عنوانها حرب المعلومات والعمليات السرية.

ففي مساء الخميس 22 يناير 2026، بثّت القناة الفرنسية الثانية France 2 حلقة جديدة من برنامجها الاستقصائي الشهير  Complément d’enquête، تحت عنوان: «Rumeurs et coups tordus : la guerre secrète France-Algérie» – “شائعات وحيل قذرة: الحرب السرية بين فرنسا والجزائر”.

الوثائقي فتح ملفات ثقيلة، وكشف كواليس واحدة من أشد الأزمات السياسية والدبلوماسية التي عرفتها العلاقات بين باريس والجزائر منذ الاستقلال، مسلطًا الضوء على ما وصفه بـ حروب الظل، وأساليب الضغط والتدخل، خصوصًا تلك المنسوبة إلى النظام العسكري الجزائري.

هجوم رسمي قبل البث وبعده

وقبل عرض الوثائقي، سارعت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية (APS) إلى مهاجمته، ووصفت عنوانه ومضمونه بـ«الاستفزازي» و«المثير للجدل»، معتبرة أن العمل يعكس سرديات «غير متوازنة» ومشحونة بفرضيات تستهدف الجزائر.

وبعد البث، تصاعدت حدة الهجوم، حيث وصفت الوكالة نفسها الإعلام العمومي الفرنسي بـ«المفلس» و«المنحدر إلى الحضيض»، واعتبرت التحقيق محاولة لتشويه صورة النظام الجزائري، وهو ما عكس حجم الانزعاج الرسمي من محتوى الوثائقي وتوقيته.

محاور التحقيق: ملفات ثقيلة وأسئلة محرجة

1. تجنيد الجواسيس: كشف التحقيق عن قضية موظف بوزارة المالية الفرنسية تم تجنيده من قبل المخابرات الجزائرية لمدة تقارب عامين، حيث قام بتسريب معطيات تتعلق بمعارضين جزائريين مقيمين بفرنسا، مقابل ضغوط وتهديدات مباشرة.

ويشير البرنامج إلى أن هذه الأساليب تندرج ضمن عقيدة استخباراتية قائمة على الاختراق وخلق الفتنة، وهي ممارسات لا تقتصر على فرنسا فقط، بل تمتد إلى دول أخرى، من بينها المغرب، الذي واجه محاولات مماثلة، فضلًا عن دعم الجزائر لحركات انفصالية وزعزعة الاستقرار الإقليمي.

2. خلفيات الانفجار الدبلوماسي: يركز الوثائقي على القطيعة السياسية التي حصلت بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون، خصوصًا بعد تحول الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية ودعم باريس الصريح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

هذا التحول فجّر موجة تصعيد جزائرية غير مسبوقة، شملت سحب السفير، وتجميد قنوات التواصل، وشن حملات إعلامية عدائية، إلى جانب تكثيف دعم جبهة البوليساريو سياسيًا وعسكريًا، في محاولة لفرض أمر واقع وخلق توتر دائم بالمنطقة.

3. حرب المعلومات والعمليات القذرة: التحقيق وثّق ما وصفه بـ «الضربات تحت الحزام»، مبرزًا ضغوطًا ومضايقات مارستها أجهزة الاستخبارات الجزائرية ضد نشطاء ومعارضين فوق التراب الفرنسي، بما في ذلك محاولات اختطاف وتهديد وتصفية، وهي معطيات أثارت قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الأمنية الفرنسية.

4. علاقات في مهبّ الأزمة: يشير الوثائقي إلى أن العلاقات الفرنسية-الجزائرية تعيش مرحلة توتر حاد وغير مسبوق، تحولت معها الأزمة إلى معركة سرديات، حيث يحاول كل طرف تحميل الآخر مسؤولية التصعيد.

كما يطرح التحقيق سؤالًا محوريًا: من يؤجج هذا الصراع؟ وهل لا تزال هناك إمكانية لإطفاء النار بين البلدين؟

5. الشائعات والتضليل الإعلامي: سلّط البرنامج الضوء على انتشار الشائعات والأخبار المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في كلا البلدين، مستعرضًا أمثلة تبدو أحيانًا ساخرة أو غير منطقية، لكنها تعكس حجم الاستقطاب والتعبئة القومية، وتُستخدم كأدوات في حرب نفسية وإعلامية متبادلة.

6. قراءة سياسية أعمق: كما استعرض التحقيق محطات سياسية ودبلوماسية حديثة ساهمت في تعقيد المشهد، محللًا الخلفيات العميقة للأزمة، وتأثيرها المباشر على السياسات الداخلية ومسارات التواصل الرسمية بين باريس والجزائر.

ختامًا: يكشف هذا الوثائقي، بما حمله من معطيات وتحقيقات، أن الجزائر باتت تواجه عزلة إقليمية ودولية متزايدة، نتيجة تدخلاتها المتكررة في شؤون الدول، واعتمادها على أدوات استخباراتية وإعلامية لفرض نفوذها خارج حدودها.

كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن فرنسا، ومعها عدد متنامٍ من الدول، لم تعد مستعدة للتغاضي عن ممارسات تمس بسيادتها وأمنها الداخلي.

وفي المقابل، يبرز المغرب في هذا السياق كشريك إقليمي عقلاني وموثوق، في وقت يبدو فيه النظام الجزائري غارقًا في منطق التصعيد والهروب إلى الأمام.

https://anbaaexpress.ma/bog1t

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى