أفريقياتقاريرسياسة
أخر الأخبار

خطير: غاز جبيلات Djebilet بين الدعاية الإعلامية الكاذبة والواقع الكارثي (1-2)

وهذا أمر غير مقبول عند الحديث عن مؤسسات إعلامية دولية من الصف الأول والزعم بانها نشرت مقالات حوّل مشروع عملاق من نسيج خيال نظام جزائري أضحى أضحوكة العالم

شهد الفضاء الإعلامي الجزائري، بالأمس، نشرية واسعة لوكالة الأنباء الجزائرية، المحسوبة مباشرة على قصر المرادية، تتحدث عن منجم غار جبيلات، وتقدّمه بوصفه «عملاقًا نائمًا» يستعد لإعادة رسم خريطة سوق الحديد عالميًا مستندة على مقالات منسوبة للصحافة الأمريكية مفبركة من ChatGPT.

اللافت أن جميع المنابر الجزائرية تقريبًا – الرسمية وشبه الرسمية والموالية – قامت بإعادة إنتاج نفس النص، بنفس العناوين، وبنفس الصياغات، وبلا أي اجتهاد تحريري أو تحقق مستقل من المصادر الأصلية التي يزعم النص الاستناد إليها.

هذا السلوك لا يعكس فقط مركزية القرار الإعلامي، بل يطرح أيضًا إشكالًا جوهريًا حول مصداقية النظام الجزائري الذي دخل منذ فترة في حلقة من الانفصام النفسي والجنون.

الملاحظة الأساسية هي أن مختلف المواقع والصحف الجزائرية لم تنشر تحقيقات أو تقارير مستقلة حول المشروع، بل اكتفت جميعها بإعادة نسخ نفس البرقية الصحفية حرفيًا، مع تغيير طفيف في العنوان أحيانًا.

هذا يعني عمليًا أننا لسنا أمام تعدد زوايا معالجة، ولا تعدد مصادر، ولا اختلاف في المعطيات. بل أمام سردية مركزية واحدة يتم ضخها إعلاميًا في وقت واحد.

الادعاء الكاذب باستناد البرقية إلى الصحافة الأمريكية

تزعم البرقية أن مؤسسات إعلامية وبحثية أمريكية كبرى أشادت بالمشروع، وقدمت منجم غار جبيلات بوصفه مشروعًا يعيد تشكيل سوق الحديد العالمية.

غير أن البرقية تعاني من خلل مهني خطير يتمثل في عدم ذكر أي رابط للمقالات الأصلية، عدم ذكر تاريخ النشر، عدم ذكر أسماء الصحفيين، وعدم ذكر عناوين التقارير.

إلا انه بعد تصفح هذه الصحف اتضح جليا بأنها لم تنشر ثباتا أي مقال حول الموضوع.

وهذا أمر غير مقبول عند الحديث عن مؤسسات إعلامية دولية من الصف الأول والزعم بانها نشرت مقالات حوّل مشروع عملاق من نسيج خيال نظام جزائري أضحى أضحوكة العالم.

الخلل الجوهري في مضمون الخطاب

بغض النظر عن إشكالية المصادر، فإن مضمون الخطاب يطرح بدوره مشكلات بنيوية حقيقية.

فالبرقية تقدّم المشروع باعتباره رافعة استراتيجية لاقتصاد ما بعد المحروقات، ومصدرًا لتحول صناعي كبير، ونقطة انطلاق لصادرات الحديد والصلب.

غير أن الواقع التقني والاقتصادي لمنجم غار جبيلات مختلف تمامًا، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المعطى الأكثر حساسية – والذي يتم تجاهله كليًا في الخطاب الإعلامي الجزائري – وهو جودة الخام.

فخام غار جبيلات معروف منذ عقود بكونه غنيًا بنسبة مرتفعة من عنصر الفوسفور، وهو عنصر مضر جدًا في الصناعة الفولاذية التقليدية.

وجود الفوسفور بنسب مرتفعة يؤدي إلى ضعف في خصائص الصلب الميكانيكية، والى هشاشة في المنتجات النهائية مع ارتفاع ضخم في كلفة المعالجة.

ولهذا السبب تحديدًا ظل المنجم، لعقود طويلة، غير مستغل صناعيًا رغم معرفة الجزائر بحجمه الجيولوجي.

كلفة المعالجة.. الحلقة الكارثية في المشروع

تحويل خام غني بالفوسفور إلى خام صالح للتصنيع أو للتصدير يتطلب تقنيات معالجة معقدة، ومنشآت صناعية ثقيلة، واستهلاكًا كبيرًا للطاقة والمياه، وسلاسل لوجستية دقيقة.

وكل هذه العناصر ترفع كلفة الطن المعالج، وكلفة الطن القابل للبيع في السوق الدولية.

في ظل منافسة عالمية شرسة تقودها دول تملك خامًا عالي الجودة بطبيعته (دون الحاجة لمعالجة كيميائية مكلفة)، تصبح القدرة التنافسية لغار جبيلات خاسرة بامتياز.

إشكالية الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع المحكوم عليه مسبقا بالفشل

النشرة الصحفية تروّج لفكرة أن المشروع سيحوّل الجزائر إلى فاعل رئيسي في سوق الحديد العالمي. غير أن أي تحليل اقتصادي واقعي يفرض طرح الأسئلة التالية:

• هل يمكن تسويق خام عالي الكلفة في سوق شديدة الحساسية للأسعار؟

• هل البنية التحتية الحالية كافية لخلق سلسلة تصدير مستقرة؟

• هل يوجد طلب خارجي مضمون طويل الأمد على هذا النوع من الخام؟

إلى اليوم، لا توجد عقود تصدير كبرى معلنة، ولا اتفاقيات شراء طويلة الأجل مع مصانع صلب عالمية كبرى.

وهو ما يجعل الحديث عن “إعادة تشكيل السوق العالمية” أقرب إلى الخطاب الدعائي والكاذب منه إلى التخطيط الصناعي.

الخلط المتعمد بين «الخام» و«الصلب»

من أبرز نقاط التضليل في البرقية، الخلط المستمر بين استخراج خام الحديد، وبين إنتاج الصلب.

إنتاج الصلب ليس امتدادًا مباشرًا لاستخراج الخام، بل يتطلب:

• مصانع تحويل متطورة،

• شبكات طاقة ضخمة ومستقرة،

• بنية مائية صناعية واسعة،

• وقدرات لوجستية عالية الكفاءة.

المقال يوحي وكأن الربط السككي وحده كفيل بتحويل المنجم إلى قطب فولاذي، وهو تصور مبسط للغاية ولا يعكس واقع الصناعة الثقيلة.

لماذا يتم تضخيم المشروع إعلاميًا بهذا الشكل؟

توقيت الضخ الإعلامي ليس معزولًا عن السياق الاقتصادي العام للجزائر، والذي يتميز بـهشاشة نموذج النمو،

واستمرار التبعية لعائدات المحروقات، مع صعوبة إطلاق مشاريع صناعية تصديرية فعلية خارج قطاع الطاقة.

في هذا السياق، يصبح مشروع غار جبيلات أداة لبناء سردية سياسية وإعلامية حول “التحول الاقتصادي» و«القطيعة مع اقتصاد الريع»،

حتى وإن كانت شروط هذا التحول غير متوفرة فعليًا بعد.

إشكالية خطيرة في السلوك الإعلامي

إعادة نشر نفس النشرة الصحفية من طرف كل الصحافة الجزائرية دون أي تحقق مستقل أو إضافة تحليلية يعكس ضعفًا في المهنية، وتغليبًا للوظيفة الدعائية على الوظيفة الإخبارية، وتبعية مطلقة للنظام الجزائري واندماجًا شبه كامل بين الخطاب الإعلامي والخطاب السياسي الرسمي.

وهو ما يحوّل الإعلام إلى مجرد ناقل لسردية جاهزة وآلة دعائية لا اقل ولا اكثر.

في المحصلة، لا يتعلق الإشكال في مشروع غار جبيلات بحجم الاحتياطي الجيولوجي في حد ذاته، بل بـجودة الخام، وتعقيد معالجته، وارتفاع كلفته، وغياب ضمانات تسويقه دوليًا. بقدر ما يبرز هذا السلوك للصحافة الجزائرية للمستوى الدنيء الذو وصلت اليه في عهدك تبون حيث لا ترتقي ان تتجاوز ما اصبح يصطلح عليه بصحافة الصرف الصحي.

وعليه، فإن المشروع لا يرقى ان يكون رافعة اقتصادية، بل هو مشروع عالي المخاطر من حيث الربحية والاستدامة الصناعية، مهما بلغ مستوى الترويج الإعلامي الكاذب والمغلوط له.

يتبع.. 

https://anbaaexpress.ma/5r6bf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى