لم تعد الدراما التلفزية الأمازيغية، كما تُقدَّم اليوم في القنوات الوطنية، مجرد إنتاج فني يخطئ أو يصيب، بل أصبحت في كثير من نماذجها ممارسة رمزية خطيرة تمسّ عمق التراث اللامادي، وتسيء في الآن نفسه إلى الأمازيغية كلغة وهوية وانتماء.
ما يُعرض باسم “الاحتفاء بالثقافة الأمازيغية” يخفي، في الواقع، عملية تبسيط مخلّة، واختزالٍ فجّ، وتحويلٍ متعمد للذاكرة الجماعية إلى مادة استهلاكية بلا روح.
لقد انزلقت هذه الدراما، خلال السنوات الأخيرة، من محاولة تمثيل الإنسان الأمازيغي في تعقيده التاريخي والاجتماعي، إلى الاكتفاء بصورة فولكلورية براقة، تعتمد على الأزياء التقليدية، المناظر القروية، واللهجة المحلية، دون أي اشتغال حقيقي على المعنى.
التراث اللامادي، الذي يفترض أن يكون مخزونًا للقيم، وأنماط العيش، والحكمة الشعبية، والعلاقات الاجتماعية، جرى تفريغه من محتواه، وتحويله إلى ديكور بصري يُستعمل لإضفاء “نكهة محلية” لا أكثر.
وهكذا لم يعد التراث يُقدَّم كذاكرة حيّة، بل كفرجة سطحية، تُستدعى عند الحاجة وتُنسى بعد انتهاء الموسم.
الأكثر إيلامًا هو أن هذه الإنتاجات لم تكتفِ بتبسيط التراث، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين حوّلت الدراما التراثية الأمازيغية إلى مادة للفكاهة والسخرية.
الضحك أصبح هو الهدف، لا وسيلة فنية، والشخصيات الأمازيغية غالبًا ما تُبنى على صور نمطية مهينة: القروي الساذج، المرأة محدودة الأفق، الجماعة المحلية التي لا تنتج سوى العبث والمفارقات المضحكة.
هنا لا نكون أمام كوميديا اجتماعية ذكية، بل أمام تسطيح جارح، يكرّس نظرة دونية للإنسان الأمازيغي، ويحوّل تاريخه ومعيشه اليومي إلى موضوع تهكم.
هذا المسار الكوميدي الاستسهالي لا يسيء فقط إلى الإنسان، بل يطال اللغة الأمازيغية نفسها. فاللغة، التي تحمل تاريخًا طويلًا من المقاومة، والتعبير، والشعر، والحكمة، تُستعمل في هذه الأعمال استعمالًا مبتذلًا، وتُربط في ذهن المتلقي بالضحك الفارغ، والمبالغة، والتفاهة.
وحين تُحبس لغة ما داخل هذا الإطار الضيق، فإنها تُجرَّد من قدرتها على التعبير عن الفكر العميق، والصراع، والأسئلة الوجودية. وهكذا تُختزل الأمازيغية في أداة للتهريج، لا في لغة قادرة على إنتاج المعنى والجمال والوعي.
أما الرصيد التاريخي الأمازيغي، فيعيش تهميشًا شبه كامل داخل هذه الدراما. نادرًا ما نجد أعمالًا تستلهم محطات تاريخية حقيقية، أو شخصيات ذات وزن رمزي، أو تحاول مساءلة علاقة الإنسان الأمازيغي بالأرض، والسلطة، والحرية، والمقاومة.
الماضي، حين يُستحضر، يُقدَّم غالبًا كزمن بدائي، جامد، خارج التاريخ، وكأن الأمازيغ لم يكونوا فاعلين في صنع هذا الوطن، بل مجرد خلفية فلكلورية للضحك. هذا الإقصاء ليس صدفة، بل يعكس خوفًا من التاريخ حين يكون حيًّا ومقلقًا، واختيارًا واعيًا لماضٍ منزوع الدسم.
في هذا السياق، يتكرّس تبخيس البعد الهوياتي والانتماء. فالهوية لا تُبنى باللغة وحدها، ولا بالمظاهر الخارجية، بل بالرسائل والقيم التي تحملها الأعمال الفنية.
وحين تُفرغ الدراما الأمازيغية من أي مضمون يرتبط بالكرامة، الذاكرة، الصراع الاجتماعي، أو السؤال الثقافي، فإنها تساهم في إنتاج انتماء هشّ، سطحي، قابل للتفكك. المتلقي يسمع لغته، لكنه لا يرى نفسه، ولا تاريخه، ولا قضاياه.
إن ما يحدث في القنوات الوطنية لا يمكن فصله عن منطق إعلامي يعتبر الدراما الأمازيغية منتجًا هامشيًا، موجَّهًا لفئة يُفترض أنها لا تطلب العمق ولا تستحقه. وهو منطق خطير، لأنه لا يسيء فقط إلى الثقافة الأمازيغية، بل يكرّس تمييزًا ثقافيًا ناعمًا، يلبس ثوب الترفيه، بينما يُفرغ الهوية من محتواها.
الدراما الأمازيغية ليست مطالبة بأن تكون خطابًا أيديولوجيًا أو درسًا في التاريخ، لكنها مطالبة، على الأقل، بأن تحترم اللغة التي تنطق بها، والذاكرة التي تستلهمها، والإنسان الذي تمثّله. التراث اللامادي ليس مادة للزينة ولا للضحك السريع، بل هو نظام معنى، وإذا لم يُستثمر بوعي فني وثقافي، فإنه يتحول إلى أداة تشويه بدل أن يكون رافعة وعي.
إن استعادة الاعتبار للدراما التلفزية الأمازيغية تمرّ حتمًا عبر القطع مع منطق الفولكلور الاستهلاكي، والانتقال إلى دراما تُنصت للأسئلة العميقة للهوية والانتماء، وتتعامل مع الأمازيغية كلغة كاملة، قادرة على التعبير عن التراجيديا كما عن الفرح، عن الألم كما عن الأمل.
دون ذلك، سنظل أمام أعمال تتكلم الأمازيغية، لكنها مفارقة تسيء إليها أكثر مما تخدمها.




