آراءمجتمع
أخر الأخبار

جرائم المال العام.. بين أحكام عدالة النظام وقصاص المجتمع

فالفساد الذي ينخر المؤسسات الوطنية المؤتمنة على ثروات البلاد نابع من فساد القيم وتصورات القيمين عليه

عبدالمجيد بن شاوية 

تقديم

من بين اهتمامات علم الاجتماع السياسي المفاهيمية نجد مفهوم القوة، مفهوم الطبقة، مفهوم النخبة، وما شاكلها من مفاهيم ذات الصلة بالحقول الاجتماعية وظواهرها وما يستتبعها من ظواهر سياسية، لها علاقة بمفهوم النظام السياسي والدولة، وعمليات تدبير الشأن السياسي العام، وخلق المؤسسات وإيجادها، طبعا في إطار العلاقات القائمة بين الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي.

فمن داخل هاته العلاقات يتم الحديث عن مؤسسات قائمة بذاتها، والتي تقوم بمهامها في اتجاه مصلحة البلاد والمجتمع والوطن، على أساس أن تناط هذه المهام والمسؤوليات إلى مسئولين وقيمين عليها، وذلك في كل المؤسسات ذات الارتباط بمفهوم الشأن العام، ومن بين هذه المؤسسات نجد “مؤسسة المال العام “، والتي تبنى على قواعد وضوابط قانونية ومؤسساتية منظمة ومهيكلة، تبقى سارية المفعول والوجود دون النظر إلى الأشخاص القائمين عليها، بل يبقى الاحتكام إلى فعاليتها في علاقتها بالمصلحة العامة للوطن والشعب والدولة، هو سيد المواقف في إنتاج وإعادة إنتاج مقدراتهما.

المال العام عصب الحياة العليا الوطنية

 المال العام هو عصب حياة المصالح العليا للبلاد، وشرايين الخدمات الأساسية والحيوية للمجتمع والمواطنين عامة، وكل عطب أو نزيف فيه، هو، بالتالي تقويض لركائز الأمن الوطني بكل مدلولاته، وانهيار لكل بنى المجتمع والدولة، وتعطيل كل قدرات وطاقات البنيات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية، واغتيال مادي ومعنوي للبنة أساسية من لبنات مشاريع خلق الثروات بكل أشكالها وبناء الوطن وتنمية المواطن في كل المجالات، وهو ما يطرح بصدده عدة أسئلة بدرجة أهميته القصوى في حياة الوطن والمجتمع والدولة، حول كيفية تحصيله وطرق صرفه، وبأية أشكال وصور يتم توزيعه والتخطيط له وبرمجته، وفق سلم الأولويات والمشاريع المزمع تنفيذها والعمل عليها، وغير ذلك من المتطلبات الأساسية والثانوية والعرضية، مع مصاحبتها لآليات المراقبة .

بالطبع، في الدول الديمقراطية الحديثة استوفت مؤسسة المال العام كل شروط منظومتها، وحيثيات وجودها في إطار خدمة المصالح العليا لبلدانها، أما في الدول التي لم تبلغ سن رشدها في الديمقراطية، والمتعثرة الخطوات نحو تحقيقها، لازال الغموض واللبس يكتنفها في كل مساراتها، ولم تطرح بعد الأسئلة حولها بالشكل المطلوب من بدايتها إلى نهايتها، بحكم جهل مواطنيها وجماهيرها بمعرفة مفهوم المال العام ومؤسساته، وهو ما يجعل كل الثروات الوطنية ذات الطابع العمومي  “ثروات سائبة” في يد من يتربعون على كراسي الحكم ومؤسساته العمومية، وحكرا في يد المسئولين، والعموميين، وسيلة للاغتناء والإثراء من دون موجب حق ولا شرع، وهكذا في غياب الوعي الجماهيري بالثروات العمومية المتحصل عليها من خلال الضرائب ومؤسسات الإنتاج، تبقى الفرص سانحة للمسئولين والقيمين عليها للتصرف فيها كيف يشاءون، وكأنها أملاك شخصية وليست عمومية، والأكل من موائدها ما لذ وطاب منها كما يحلون لهم، وفق أهوائهم ونزواتهم الخاصة، ولما لا وأطباق من الثروات والأملاك العمومية الهامة أمامهم من دون حسيب ولا رقيب.

المغرب ومؤسسة المال العام

في هذا السياق، لا يشذ المغرب عن هذه القاعدة المتضمنة في طرح هذه الفقرة الأخيرة، وهو الذي يعرف طيلة عقود من الزمن عمليات نهب وهدر واسعة النطاق فيما يخص الأموال والثروات العمومية، من قبل نخب فاسدة تربعت على كراسي المؤسسات العمومية وعروش الممتلكات العامة، ذات الصلة الوثيقة بالمصالح العليا للبلاد، فتلاعبت بها وتصرفت فيها كيف ما شاءت، فاغتنت بالرساميل والثروات الوطنية، في غياب ضمائر حية وانعدام حب وطني بداخل كياناتهم، وعدم تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة والمساءلة، وهو ما يفتح الأبواب على مصراعيها في توزيع الكعكة الوطنية كل من موقعه الإداري والسياسي والاقتصادي، حيث تنجلي الصور المكثفة لغابة الفساد التي تحجب الرؤية الصحيحة نحو السبل الكفيلة للنهوض بالمشاريع الوطنية الهادفة والتوزيع العادل للثروات والقضاء على براثن التخلف والفقر والضياع لكل مقدرات البلاد .

إن ما طفا على سطح أجواء غابة الفساد المتشابكة، وما أثير من قضايا وفضائح مالية في السنوات الأخيرة في مجموع المؤسسات العمومية، لدليل قاطع على التسيب الفظيع التي تعرفه مؤسسات المال العام وكل الثروات الوطنية، التي هي ملك للمواطنين المساهمين في إنتاجها وإعادة إنتاجها من جهة أولى، والإبداع في خلقها وإيجادها من جهة ثاني واستثمارها من جهة ثالثة .

فالفساد الذي ينخر المؤسسات الوطنية المؤتمنة على ثروات البلاد نابع من فساد القيم وتصورات القيمين عليها، “وما أوجه الفساد التي تنخر كياناتنا إلا الجانب الظاهر للنفاق وانعدام أخلاق العمل وأخلاق تحصيل الثروة بوسيلة العمل بدل وسائل كالغش، والارتشاء والبحث الدائم عن الاغتناء السريع الذي لا يكلف جهدا محترما” ( * )، حتما، إن منظومة الفساد تجمع في كيان بشري ما كل ما تفرق في النفوس الرديئة من قيم لا أخلاقية، لتحط برحالها في ساحات الفضاءات العمومية ومؤسساتها، وهو ما تشهد عليه مؤسساتنا المالية العمومية الغارقة في أوحالها .

المال العام بين التشريعات وقصاص المجتمع

فقد أثيرت القضايا والفضائح المالية بالمغرب على أكثر من صعيد، إعلاميا ومدنيا وقضائيا، إلا أن مجرى العدالة المغربية لم يشق طريقه نحو التفعيل اللازم للأحكام الصارمة في حق من استوقفته آليات القضاء، وإن تم إصدار أحكام ما في نوازل مالية المؤسسات المالية والثروات الوطنية العمومية، فإنها لا تفي بالمطلوب بالمقارنة مع حجم التهم الموجهة والمنسوبة للمتابعين فيها، وما الأحكام الصادرة في قضية من قضايا جريائم العام يشتم من ورائها رائحة لي عنق العدالة المغربية والموسومة بمكاييل خاصة، وهو ما يهدر حقوق الشعب المغربي والوطن معا، في إطار سياقات ما.

من هنا تطرح الأسئلة المنطقية في علاقات الشعب المغربي بجرائم المال العام وفضائحه التي تزكم الأنوف بروائحها النتنة، وبعض المحاكمات المحتشمة التي تصدر عن قضائنا المغربي، علما أن فضائح أخرى لا زالت قابعة برفوف المجلس الأعلى للحسابات، وكذا ما يثار من جانب المؤسسات المدنية المتتبعة للشأن المالي العام، لحسابات سياسية لا يعلمها إلا القائمين على الشأن العام بالبلاد، ومن بين هذه الأسئلة المثارة، ما هي الجهات المتحكمة في عدم الكشف عن حجم الجرائم المالية المتستر عليها؟ إلى متى ستبقى عدالتنا تتكئ على رجل واحدة في إصدار أحكام غير عادلة بصدد جرائم المال العام؟ وإلى متى سيبقى المجتمع المغربي باهت الحضور في محاكمات كطرف عبر مؤسساته الدستورية المتوافق عليها في قضايا نالت منه وتنال الكثير من هدر مقدرات ومشاريع وطنية لينزل بقصاصه العادل في حق من نسبت التهم الموجهة إليهم؟.

خاتمة

 إن ميزان القوى بداخل المجتمع المغربي يخضع سوسيولوجيا لمحددات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وهو ما يتحكم في خلق مصادر القوة والوجاهة، وبروز نخبة وطبقة في مقابل عموم الجماهير المغربية الشعبية الكادحة. 

مما يؤثر على البناء العام لمؤسسات الدولة، وبالتالي، التحكم في آليات تدبير الشأن العام، ولصالح النافذين والتباعين لهم، ومن تم السطو على ممتلكات الملك العمومي بكل أشكالها، في غياب تام للوعي الشعبي/ الفئوي/ الطبقي لعموم الجماهير المغربية بفعل الذاتي والموضوعي، لكشف وفضح الجرائم المالية وقضايا الثروات العمومية عموما، وهو ما يطرح إشكالية قبر الأحلام والآمال في الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي والديمقراطي في علاقاتها بالمؤسسات الحيوية .

  ( * ) – عبد الله حمودي، الدعوة والدعاية، مجلة وجهة نظر، عدد55، شتاء 2013، ص :40

* كاتب مغربي 

https://anbaaexpress.ma/yumiy

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى