في خطوة وصفت بأنها الأوسع منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، أعلنت المملكة المتحدة إطلاق مبادرة تجارية استثنائية لفائدة المغرب، تقضي بمنح إعفاءات جمركية شاملة ودائمة، دون أي سقوف كمية، على طيف واسع من الصادرات المغربية.
خطوة لا تحمل فقط بعداً اقتصادياً مباشراً، بل تنطوي على دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، تعكس تحوّلاً في مقاربة لندن لتحالفاتها التجارية خارج الفضاء الأوروبي.
وجاء الإعلان الرسمي عن هذه المبادرة خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده وزير التجارة البريطاني مع السفير المغربي في لندن، حيث أكد المسؤول البريطاني أن الاتفاق الجديد سيمكن المنتجات المغربية من الولوج الحر إلى السوق البريطانية، دون رسوم جمركية أو قيود كمية، ابتداءً من شهر فبراير المقبل.
ويشمل هذا الانفتاح غير المسبوق قطاعات حيوية، من بينها المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية، والمنسوجات، وصناعة السيارات، إلى جانب سلاسل إنتاج أخرى ذات قيمة مضافة متزايدة.
وصرّح وزير التجارة البريطاني بأن “المغرب شريك استراتيجي لا غنى عنه”، مشدداً على أن لندن لا تبحث عن تبادل تجاري تقليدي، بل عن بناء علاقة عميقة ومستقرة قوامها الثقة وتكامل المصالح.
هذا الخطاب يعكس بوضوح توجهاً بريطانياً جديداً، يسعى إلى تعويض فقدان الامتيازات الأوروبية بعد “بريكست”، عبر نسج شراكات مرنة مع قوى إقليمية صاعدة، وفي مقدمتها المغرب.
ما وراء الإعفاءات الجمركية
من زاوية اقتصادية، يمنح هذا الاتفاق الصادرات المغربية أفضلية تنافسية قوية داخل السوق البريطانية، مقارنة بعدد من الدول التي لا تزال تخضع لرسوم أو حصص. وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على رفع حجم الصادرات، وتحفيز الاستثمار الصناعي والفلاحي بالمغرب، خصوصاً في القطاعات الموجهة للتصدير.
لكن القراءة الأعمق تكشف أن لندن لا تتحرك فقط بمنطق الأرقام، بل بمنطق الجغرافيا السياسية للتجارة. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي واستقراره السياسي، وتحوله إلى منصة صناعية ولوجستية تربط إفريقيا بأوروبا، بات شريكاً مثالياً لبريطانيا في مرحلة إعادة تموضعها الدولي. ومن خلال هذا الانفتاح، تراهن لندن على المغرب كبوابة للأسواق الإفريقية، وكحلقة توازن في فضاء متوسطي يشهد تنافساً محتدماً بين قوى دولية.
رسالة سياسية مزدوجة
سياسياً، تحمل المبادرة رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الاتحاد الأوروبي، مفادها أن بريطانيا قادرة على بناء شراكات بديلة ذات عمق استراتيجي خارج المنظومة الأوروبية؛ والثانية موجهة إلى دول الجنوب، وتحديداً في شمال إفريقيا، بأن لندن مستعدة للانتقال من منطق الاتفاقات المحدودة إلى شراكات تفضيلية واسعة.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كحالة خاصة، ليس فقط بسبب حجم المبادلات، بل أيضاً بسبب التقاطع السياسي في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، ما يجعل التعاون التجاري امتداداً طبيعياً لتقارب سياسي أوسع.
رهانات مغربية وفرص مشروطة
بالنسبة للمغرب، يشكل الاتفاق فرصة ثمينة لتعزيز حضوره في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب مستدامة يظل رهيناً بقدرة النسيج الإنتاجي المغربي على رفع الجودة، وضمان انتظام الإمدادات، واحترام المعايير التقنية والبيئية الصارمة التي تفرضها السوق البريطانية.
كما أن هذا الانفتاح يضع الصناعات المغربية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الانتقال من منطق التصدير التقليدي إلى منطق التموقع داخل سلاسل القيمة العالمية؟ أم ستظل الاستفادة محصورة في قطاعات محدودة؟
ما أعلنته لندن ليس مجرد تسهيل تجاري عابر، بل خطوة تعكس إعادة هندسة لعلاقاتها الاقتصادية في مرحلة ما بعد “بريكست”.
وفي المقابل، يجد المغرب نفسه أمام فرصة استراتيجية لتكريس موقعه كشريك محوري لبريطانيا في جنوب المتوسط. بين الطرفين، يبدو أن التجارة لم تعد مجرد تبادل سلع، بل أداة لإعادة رسم التحالفات وبناء نفوذ طويل الأمد في عالم يتغير بسرعة.




