لا يستطيع علم التّاريخ سوى أن يحلّل الأسطورة بوصفها وثيقة أيضا، ولكنه لا يملك أي سلطة لإدانتها. إنّ سؤال الموضوعية ليس هو سؤال الصدق والكذب في الإخبار، فالأسطورة تقدّم الحقيقة في نسق من الخيال، والخيال كما عند ابن عربي لا يخطئ، فهو بخلاف العقل معصوم عن الخطأ، ذلك لأنّه إنشاء لواقع برموزه الخاصة، إنه عالم الصّور كما هو عالمنا الذي دخل اليوم ثورة الصورة وأنشأ أساطيره من داخل سحر الصورة.
يحاول المؤرخ أن يحبك أساطيره داخل مهمته التاريخية، يتحدث عن عصر ذهبي في التاريخ لكن ما هو يا ترى العصر الذهبي للأسطورة؟ اليوم قد يكتب التّاريخ في وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الأخير يمنح سلطة الإخبار للجميع وتداول التّاريخ يتمّ بواسطة الصّورة نفسها، الكلّ يؤرّخ للكل، والكل يؤرّخ لنفسه، والكلّ ينسج أساطير بما فيها الأساطير الفاقدة لجمالية الحبك والمعنى.
إنّ الأساطير تعود، ولكنها تعود بأقنعة كثيرة، وحيث تكون الصورة والأيقونة كوسيلة للإقناع نكون قد دخلنا عصر أساطيرنا المتنكّرة. حين تحضر الصّورة ينتفي الحديث عن الموضوعي، لأنّ مجرد الحديث عن المسافة بهذا النمط الشمولي يجعلنا أمام أسطورة من أساطير البحث العلمي المعاصر.
أتساءل هنا عن مفهوم المسافة التي يجب أن يحتفظ بها المؤرّخ من مادته. وإذا ما أخذنا فكرة المسافة الثابتة بالمعنى الهندسي للعبارة فهذا يعني أن لا نكتب تاريخا قط، لا تاريخنا ولا تاريخهم، فلا المحلّي يكتب تاريخه لأنه مفطور على القرب، ولا الأجنبي يفعل ذلك لأنه مفطور على البعد.
بل من قال أنّ المحلّي حين يبتعد يكون قد خالف الموضوعية نفسها باعتبار أنّ الموضوعية نفسها وجب أن تأخذ بعين الاعتبار الذّاتية باعتبارها حقيقة. حين يبتعد الذّاتي عن الموضوع يفقده، وربما تحت ضغط الابتعاد المنهجي يصبح غريبا وربما يصبح عرضة لمركب ستوكهولم تجاه مجتمعه.
الموضوعية هي الأخرى باتت مفهوم خياليا، بينما الأسطورة هي خارجة تخصّصا عن إشكالية المسافة، وحتى الذين اقتربوا من بنياتها اضطروا إلى ضرب من المعايشة مع حامليها.
إن كانت الموضوعية تقرّ بالواقعي، ففرض المسافة إنكار للواقع. ففي نهاية المطاف، البعيد بعيد والقريب قريب، والمسافة التي يفرضها الواقع، بقدر ما تثير الريبة، فهي أيضا تضيف أبعادا أخرى من الفهم. إن أطوار الوعي والموقف الفينومينولوجي من الوقائع والأحداث، يعفينا من رُهاب المسافة، فيصبح تأويل الحدث نفسه حدثا على طريق الوعي.




