لامناص من استشراف المستقبل، تماما كما لا مناص من استذكار التاريخ، هنا لا يتعلق الأمر باختصاص، بل بقصدية الوعي. هنا ندرك مع هوسرل كيف تتقوم ماهية الكائن من هذا القلق المزمن من الجمود، حيث لا مخرج منه سوى بتفاعل الوعي مع الظاهرات عبر مدارك الأزمنة الثلاثة.
إنها القصة العميقة للوعي الفينومينولوجي. وهي واحدة من المنعطفات الأساسية في تاريخ وعي الوعي ذاته، أي المعرفة باعتبارها خبرة بوعي قاصد.
لكن حين ترتبك مدارك الأزمنة الثلاثة إبان الوعي بالظاهرات، تنغلق الخبرة على نفسها، وتكف عن تمثل الوعي المشترك، فتأتي بغرائب الأمور في الذاكرة والاستشراف. تتورم الذاكرة ببنات الخيال، كما يتورم التوقع بالتمنيات، ولا حديث بعد ذلك عن الضحية الهاضمة لهذا “التشبيح”.
التحليل النفسي للوعي بالظاهرات، يفيدنا في هذا المفصل العبرـمناهجي، لندرك بؤس ما يختفي خلف الظواهر المرضية الخطيرة في تجربة الوعي وتفاعل هذا الأخير مع ما يعرض أمامه.
وحين يتزامن ذلك مع لحظة استثنائية في تطور التقنية وانسياح الذكاء الاصطناعي، يجد الضعفاء فينومينولوجيا في ذلك وسيلة للتعويض عبر أساليب يختلط فيها الذكاء الاصطناعي بمبدأ المشاركة البدائي، فيصبح الوضع على قدر فائق من الغرابة، أعني العصر الرقمي الطوطمي.
فالباحثون في مظاهر عصر التفاهة، غالبا ما يتفاجؤون من عودة البلاهة إلى الكوكب، بينما وجب فهم الوضعية البشرية اليوم في سياق انقلاب الماهية.
يهرب الكائن الطوطمي الرقمي من رهاب الآن، لكنه يفعل ذلك وهو خاوي الوفاض من أي رؤية للماضي والمآل.
يصبح الواقع كالحلم، خالي من التناسب، بل حالة مفتوحة على نقائض لا نهائية.
لا يحتاج كل ذلك إلا إلى التكرار، فصناعة الأفكار الزائفة لا تتطلب غير الطنين اليومي والعلف الميديائي وتكاثر الدكاكين وسماسرة “التشبيح” الثقافي والسياسي.
لعل هذا هو الانقلاب الأعظم على المعنى الكلاسيكي للصدق. لا حدود للزيف، لا نهاية للتآمر على الدماغ البشري، فالذي يخفي عنا هذا الانقلاب الماهوي والردة البيولوجية هو أن كل شيء يجري بلغة الطوطم الرقمي.
إن وضعية الاغتراب بكل مستوياتها، بلغت ذروتها، حيث ما تبقى هو انبثاق الشكل الأخير للكائن المسيخ، الذي فك ارتباطه بالوفاء لكل منطقي في النظر ولكل واجب في العمل.




