آراءأفريقيا
أخر الأخبار

الساحرة المستديرة.. تبرز الهوة بين مواطني شمال إفريقيا وأفارقة جنوب الصحراء

خلقت “اللعبة الجميلة” للاستمتاع بها، لكنها أصبحت تعزز النزعات القومية الضيقة والتعصب الجماعي.

كرة القدم، والشغف المشترك بها على نطاق واسع عبر القارة الإفريقية، أصبحت رافعة مميزة للقوة الرياضية، إذ كثيرًا ما توفر استضافة كأس الأمم الإفريقية أو الفوز بها منصة لتعزيز النفوذ الرمزي وتوطيد مواقع القوة داخل النظام الرياضي العالمي.

فالانتصارات، على وجه الخصوص، تغذي الشعور بالنخوة الوطنية، فيصبح اللاعبون سفراء لبلدانهم ونماذج للنجاح، أما الخسائر، فيمكن أن تبرز الانقسامات، وتوتر العلاقات، وتشير إلى تفاوت واسع عبر القارة، كما شاهد العالم في مباريات كأس الأمم الإفريقية التي جرت في المغرب حديثًا.

واعين بتأثير الرياضة، أو ما تسمى القوة الناعمة، على الرأي العام، يربط كثير من رؤساء الدول صورتهم بالنجاح الرياضي، ففي عام 2009 مثلًا استغل نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير مباراة فاصلة وحاسمة في كأس العالم بين الجزائر ومصر، استضافتها الخرطوم، لكسر عزلتها الدبلوماسية، فاستضافة هذه المباراة التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة سمحت لها بالظهور كفاعل إقليمي لا يمكن تجاهله، على الرغم من أمر الاعتقال الدولي الصادر بحق البشير آنذاك، والشيء نفسه كان يقال عن نظام حكم الرئيس المصري حسني مبارك، واستخدامه إنجازات المنتخب الوطني لتعزيز الشعور بالفخر الجماعي وإخفاء المشكلات الداخلية.

هناك أيضًا مثال بارز آخر هو جنوب إفريقيا، فاستبعادها من الرياضة العالمية خلال نظام الفصل العنصري عقودًا من الزمن جعل ساسة البلاد يستخدمون المنافسات الرياضية ركيزة لدبلوماسيتهم بعد نهاية ذلك النظام، فاستضافة كأس العالم للرغبي في 1995، وكأس الأمم الإفريقية في 1996، وكأس العالم لكرة القدم في 2010، ساعدت على «إعادة تصنيف» البلاد كدولة موحدة ومنفتحة سميت «أمة قوس قزح»، مغلقة بذلك صفحة الفصل العنصري البغيض.

وبالمثل، ضاعف المغرب محاولاته على مدار عقود لاستضافة كأس العالم لكرة القدم، وفي هذا الإطار روّج لصورة دولة صاعدة مصحوبة بحملة دولية تسلط الضوء على الثقافة المغربية والبنية التحتية المتطورة والاستقرار، ومما ساعد في ذلك عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في 2017، بعد غياب دام 33 سنة، التي جاءت مصحوبة بحملة مكثفة للحصول على دعم أغلب الدول الإفريقية للسيادة المغربية على الصحراء (المغربية)، وخدمت الدبلوماسية الرياضية هذا الهدف بشكل غير مباشر، إذ قدم المغرب نفسه كدولة إفريقية داعمة، مضاعفًا المبادرات للتعاون الرياضي مع جيرانه، وعندما وجدت بعض الدول نفسها بدون بنية تحتية ملائمة أو تواجه انعدام الأمن، مثل ليبيا ومالي وغينيا، قام المغرب بإقراضها ملاعبه لإقامة المباريات الدولية، أو استضافة فرقها الوطنية في معسكرات تدريبية، وقد خلق هذا التضامن قربًا بين المغرب وكثير من الدول الإفريقية، من خلال الدبلوماسية الرياضية، لا يمكن للقوى الخارجية الأخرى ذات النفوذ في القارة، مثل دول الخليج أو تركيا أو الصين والغرب، تحقيقه بسهولة.

ومن خلال نجاحه في استضافة كأس أمم إفريقيا، واستعداده لاستضافة مباريات كأس العالم عام 2030 مع كل من إسبانيا والبرتغال، يريد المغرب أن يثبت أنه قادر على تلبية المعايير الدولية، وأنه يعمل الآن كجسر بين إفريقيا وأوروبا.

يشير مفهوم القوة الناعمة، الذي قدمه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي في أوائل التسعينيات، إلى القدرة على تحقيق النتائج من خلال التأثير على تفضيلات الآخرين عن طريق الإقناع بدلًا من الإكراه أو الدفع، ومن هذا المنظور تصبح الثقافة أو الرياضة وسائل للتأثير الدولي في عصر الإنترنت والعولمة، وعلى الرغم من أنه يمكن تلخيصها أحيانًا بأنها “الجاذبية” أو تعزيز الصورة، إلا أنها تشير إلى قدرة الفاعل السياسي على ممارسة النفوذ من خلال الرياضة بأشكال متعددة، من خلال تعبئة الموارد، والاستثمار في الفعاليات والبنية التحتية، والدبلوماسية، وسرد القصص والترويج.

ومع ذلك، فإن هذه الدبلوماسية الرياضية الطموحة ليست خالية من التحديات والنقد، أولًا داخليًا، يجب التأكد أن الاستثمار في الرياضة لا يأتي على حساب قطاعات اجتماعية أخرى.

في سبتمبر 2025، وقبل أشهر قليلة من انطلاق مباريات كأس أمم إفريقيا، اندلعت احتجاجات من قبل شباب مغاربة عرفت حركتهم باسم (Z 212)، في عدة مدن للتنديد بتدهور الخدمات العامة، مشيرين إلى أن الأولوية ليست في الإنفاق على الملاعب وتنظيم الفعاليات الرياضية، إذ أن قطاعًا من السكان لا يتفق مع هذا العرض التنموي، ويؤكد على أن الإنفاق على البنية التحتية الرياضية يجب أن تأتي معه برامج التنمية المحلية، وأن الفوائد الاقتصادية يجب أن تعود على الجميع.

في هذا الصدد، وعدت السلطات باتخاذ تدابير للحفاظ على إرث المنشآت المبنية، من قبيل دمج الملاعب ضمن شبكة رياضية وطنية، وفتحها للحفلات الموسيقية والأنشطة الثقافية والمجتمعية، بحيث تكون مصدر دخل مستمر، وخلق مواطن عمل يستفيد منها المواطنون إلى ما بعد مباريات كرة القدم الإفريقية والعالمية.

تظل كأس الأمم الإفريقية، قبل كل شيء، عاملًا يجمع الشعوب الإفريقية كلها على أرض الملعب وخارجه، ليخلق مساحة للتبادل والتعبير عن هوية إفريقية جامعة، مبنية على تحرر دول القارة من الاستعمار في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وما بعدها، وتسهم البطولة في لقاءات غير رسمية بين الساسة الأفارقة، مما يتيح حوارًا دبلوماسيًا خارج البروتوكولات الرسمية، أو ما تسمى دبلوماسية الممر، وليس من قبيل الصدفة أن الاتحاد الإفريقي يدعم كأس الأمم الإفريقية كلحظة رمزية للوحدة بين عموم القارة.

في أغلب الدول الإفريقية تعتبر ثقافة كرة القدم متجذرة بعمق، وفي هذا السياق كانت كأس الأمم الإفريقية 2025 حدثًا مهمًا عكس صورة قارة شابة متنوعة، ديناميكية وفخورة، تختزن طاقات كبرى، لكن المباريات لم تبرز فقط مواهب مختلف اللاعبين والمنتخبات في القارة، بل سلطت الضوء أيضًا على الانقسام بين شمال إفريقيا وأفارقة جنوب الصحراء، والفجوة الكبيرة بين المنطقتين.

فقد شهدت النسخة الـ35 من كأس أمم إفريقيا، التي اختتمت في الرباط، موجة غير مسبوقة من الجدل التحكيمي طغت على أحداثها الرياضية، ورفعت سقف الانتقادات من مدربين ولاعبين وهيئات كروية، وحتى من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

وكان عشاق الساحرة المستديرة ينتظرون مباراة مميزة مثيرة تبقى في الذاكرة الرياضية، لكن ما حدث أمام أعينهم من عنف وتكسير في المدرجات، واشتباك بين الجمهور وقوات الأمن، واحتجاجات وقرارات تحكيمية، حوّل الحدث الرياضي إلى آخر درامي، ليكون نهائيًا مليئًا بالعواطف الجياشة والمشاهد المؤلمة، مما جذب اهتمامًا كبيرًا من الصحافة الدولية.

نهائي كأس الأمم الإفريقية لم تشهده هذه البطولة من قبل، ولا أي مباريات في أي مكان من العالم، لتصحبه موجة واسعة من الجدل والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، طغت عليها عبارات نابية وخطاب اتسم بالتعالي والعنصرية، تجاوز حدود المغرب ليشمل مشجعين من دول عربية كثيرة، واستهدف مواطني دول جنوب الصحراء، وفي المقابل جاءت دعوات شباب من دول جنوب الصحراء إلى استثناء دول شمال إفريقيا من كأس الأمم الإفريقية، لأن سكانها “عنصريون” و”لا ينتمون للقارة”.

واستشهدوا على ذلك بتاريخ العرب في تجارة الرق، واستمرارهم فيها رغم المعاهدة الدولية لإلغاء العبودية عام 1926، كما ضربوا مثال السودان وانقسامه بين شمال عربي مسلم وجنوب إفريقي مسيحي، وكذلك موريتانيا حيث يحدد اللون مكانة الفرد في المجتمع، وحيث لم تُلغ العبودية إلا في عام 1980، وحيث لا يزال التمييز العنصري ضد ذوي البشرة السوداء مستمرًا.

كل هذا يطرح السؤال إن كان ما تفعله حكومات الشمال الإفريقي لتعزيز وجودها في القارة كافيًا لتقريب الشعوب من بعضها البعض، وإن كان لا بد أن يصحب كل ذلك عمل أكبر وأعمق وأكثر ديمومة، ألا وهو رفع الوعي وانفتاح الشعوب على بعضها البعض، بهدف تعزيز الشعور لدى مواطني الشمال كما الجنوب بالهوية المشتركة والانتماء للقارة.

فرغم التنوع العرقي لسكان شمال إفريقيا، والهجرة من دول جنوب الصحراء التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، والتمازج الثقافي والفني وفي العادات والتقاليد، لا يزال معظم سكان الشمال في صراع مع هويتهم في فترة ما بعد الاستعمار، فالحضارة الأمازيغية والإفريقية والمتوسطية والعربية، وكل الحضارات التي مرت بهذه المنطقة، تختزل في أي مواطن من مواطنيها، لكن حين يطرح السؤال “من أين أنت؟” يأتي الجواب حسب الانتماء الوطني أو القومي أو الديني، لكن نادرًا ما يكون قاريًا.

هذا التقسيم وتذبذب الهوية هو في النهاية من مخلفات الاستعمار، ومسألة التفاوض المستمر على الهوية ينطبق أيضًا على مواطني جنوب الصحراء الذين ينتقل بعضهم إلى دول الشمال عبر الحدود بحثًا عن العمل أو هروبًا من الصراعات والحروب، وهي أصلًا من صنع القوى الاستعمارية التي لا تزال تتحكم في بلدانهم، وتسيطر على ثرواتها، وتقرر مصائرها، ويواجهون تحديات في الاندماج في المجتمعات الجديدة، لكن النظرة الدونية والعنصرية ومشاعر الكراهية والرفض التي يواجهونها يمكن أن تعمق قناعتهم بالانفصال بين دولهم ودول الشمال الإفريقي، ويعيق شعورهم بالاندماج في المجتمعات المضيفة، مما يؤدي إلى مشاعر العزلة والتهميش.

وفهم هذه الديناميكيات أمر حاسم لتعزيز شعور أكثر شمولية بالانتماء، يبتعد عن سرديات الاستعمار، ويعترف بالتنوع الغني للهويات داخل إفريقيا، لتضييق الفجوة، ولكي تستمر رحلة الوصول إلى هوية إفريقية قوية ومتماسكة.

https://anbaaexpress.ma/sba7f

منيرة الشايب

منيرة الشايب : صحفية تونسية مقيمة في لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى