مجتمع
أخر الأخبار

الترحيل القسري.. القسوة الإدارية في وجه المرضى النفسيين

فيصل مرجاني 

ما يُدار اليوم تحت مسمى تدبير الصحة النفسية ليس سياسة علاجية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ممارسة إدارية لإخفاء ما تعجز الدولة عن الاعتراف به داخل بنيتها الاجتماعية.

فالمرض النفسي والعقلي لا يُقارب باعتباره حالة سريرية تستوجب التشخيص والعلاج والمتابعة، بل يُعاد اختزاله إلى أثر مزعج على النظام الحضري، وإلى خلل ينبغي إبعاده عن المجال العام بدل تفكيكه علميًا ومؤسساتيًا. بهذا المعنى، لا تواجه الدولة المرض، بل تواجه ظهوره؛ ولا تعالج المعاناة، بل تُدير حضورها المكاني والرمزي.

ضمن هذا الأفق، تتحول الصحة النفسية من حقل للسياسات العمومية إلى مجال للتدبير الارتجالي، حيث يغيب التخطيط الاستراتيجي وتُستبدل المقاربة العلاجية بمنطق الإزاحة. يتم التعامل مع المريض ليس كمواطنًا حاملًا لحقوق علاجية، بل كجسم غير منسجم مع جمالية المدينة ومعايير انتظامها.

وهكذا، تُمارس عملية فرز صامتة داخل الفضاء الحضري، تُنظَّف بموجبها المراكز من الهشاشة، فيما تُصدَّر المعاناة إلى الهوامش دون أي اعتبار لقدرة هذه المجالات على الاستيعاب أو العلاج.

في غياب إرادة سياسية لإرساء سياسة وطنية مندمجة للصحة النفسية والعقلية، تلجأ الدولة إلى أكثر الحلول بساطة وأشدها قسوة: الترحيل القسري. يتم تجميع المرضى النفسيين والمتشردين من المدن الكبرى، ثم نقلهم إلى مدن صغرى أو مجالات ترابية هامشية تفتقر أصلًا إلى البنية الصحية القادرة على الاستقبال والتكفل.

هذه الممارسة لا تُخفف العبء عن المنظومة الصحية، بل تعيد توزيعه جغرافيًا، في عملية إزاحة ممنهجة تضمن استقرار الصورة الحضرية للمركز، دون أن تُقدّم أي أفق علاجي للمرضى أنفسهم.

الأخطر من ذلك أن هذا التدبير يتم خارج أي نقاش عمومي جدي، وبلا إطار استراتيجي معلن، وكأننا أمام سياسة غير مصرح بها لكنها مستقرة في الممارسة اليومية. وزارة الصحة، التي يفترض أن تضطلع بدور القيادة السيادية في هذا الملف، تبدو منزاحة عن موقع القرار، فيما تُترك إدارة الواقع لآليات الضبط الإداري والأمني.

هنا يتحقق الانقلاب الدلالي الكامل: المريض يُعاد تعريفه كحالة، والمرض كإزعاج، والعلاج كإجراء ثانوي مؤجل.

هذا التحول لا يعكس فقط ضعفًا مؤسساتيًا، بل يكشف عن منطق دولة تفضّل الضبط على الرعاية، والإخفاء على الاستثمار، والتدبير القصير المدى على التخطيط البنيوي.

فالاختلال النفسي لا يُواجه كمعضلة صحية، بل كخلل في النظام العام، ما يؤدي عمليًا إلى أمننة صامتة لملف يفترض أن يكون في صميم السياسة الاجتماعية. وبهذا، تُنقل الصحة النفسية من مجال الطب والحق إلى مجال الإجراء والعقوبة.

وتتجلى النتائج الأكثر فداحة لهذا المنطق حين لا تتدخل الدولة إلا بعد تحوّل المرض إلى سلوك مجرَّم. فغياب قنوات العلاج والمتابعة يجعل بعض المرضى لا يدخلون دائرة الانتباه المؤسساتي إلا عبر القضاء، حيث يُستبدل المستشفى بالسجن، ويُعالج المرض بالعقاب.

هنا لا نكون أمام فشل عرضي، بل أمام تجريم غير مباشر للمرض النفسي، تُنتج فيه المنظومة العقابية ما عجزت المنظومة الصحية عن احتوائه.

المفارقة أن هذا كله يحدث في سياق يعرف فيه العالم تطورًا هائلًا في تشخيص الاضطرابات النفسية وبناء بروتوكولات علاجية فعالة، وفي نماذج الرعاية المجتمعية التي تُخفف الكلفة الإنسانية والاقتصادية في آن واحد.

كثير من هذه الحالات لا تتطلب حلولًا معقدة أو استثمارات ضخمة، بل تتطلب قرارًا سياسيًا يعترف بالصحة النفسية كأولوية، ويضع التشخيص والعلاج والاستشفاء وإعادة الإدماج في قلب السياسات العمومية، ليس في هوامشها.

إن استمرار هذا الوضع لا يمكن تبريره بنقص الإمكانيات، بل يجب قراءته كاختلال في ترتيب الأولويات. فالدولة التي تستثمر في جمالية الفضاء أكثر مما تستثمر في الإنسان، وتُراكم أدوات الضبط بدل بناء منظومات الرعاية، لا تؤجل الأزمة فحسب، بل تعمّقها. فالصحة النفسية ليست ترفًا اجتماعيًا ولا ملفًا ثانويًا، بل شرط بنيوي للاستقرار الاجتماعي وللأمن الحقيقي.

لذلك، لم يعد من الممكن الاكتفاء بالتنديد أو النداءات الرقيقة. المطلوب قرار سياسي حاسم يفرض إعادة تمركز وزارة الصحة كفاعل سيادي، وإطلاق استراتيجية وطنية للصحة النفسية والعقلية تتضمن: بناء شبكة وطنية للاستقبال والتشخيص والعلاج، تكوين أطر متخصصة، وإدماج خدمات الصحة النفسية ضمن منظومة الرعاية الأولية، وضمان متابعة حقيقية عوض الترحيل القسري.

فإن لم تقم الدولة بهذه القطيعة، فإنها ستظل تواصل تجميع المعاناة في صمت، وستظل تمارس سياسة قاسية لا تقل عن القسوة التي يُعاني منها المرضى أنفسهم، بل هي قسوة مؤسساتية منظّمة، تفضح الدولة أكثر مما تخفي المرضى.

https://anbaaexpress.ma/9lgsf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى